الأرض والأم… رحلة في جذر واحد

02/02/2026 - 11:28 AM

Bt adv

 

 

 

الصحفية مريم بن عيسى

 

منذ بداية الوعي البشري، حاول الإنسان فهم العالم من خلال الثنائيات التي تعكس تناقضاته وعمقه في آن واحد ، مثل الليل والنهار، والماء واليابسة، والحياة والموت، إلا أنّ الثنائي الذي ظلّ أكثر حضوراً وأشدّ تأثيراً في العقل الإنساني هو ذلك الذي يجمع بين الأرض والأمّ، فهما الأصلان اللذان منهما ينبثق كل شيء، وهما الوعاءان اللذان يحتضنان الحياة بصمت وحنان، لا يُقاس ولا يُعدّ، وكأنّ الإنسان منذ أن أدرك نفسه لم يفصل بين التربة التي تحمل جسده وبين الرحم الذي يحمل روحه، فالعلاقة بين الأرض والأم علاقة وجودية أعمق من كل صور المعرفة أو التفسير، فهي علاقة تتجاوز الماديات لتلامس جوهر الكينونة.

 

حين نتأمّل العلاقة بين الإنسان والأرض، نكتشف أنّها ليست علاقة براغماتية أو مورد يُستغلّ فقط، بل علاقة أمّ بوليدها، الأرض تمنح بلا انتظار، تحتضن بلا تفرقة، تعيد تشكيل الحياة بصمت يشبه صمت الأمهات، في أعماقها لغة الخصب والرعاية والاستمرار، وكلّ بذرة تنمو فيها تشهد على صبرها وعطائها، وكلّ زراعة فيها ليست مجرد فعل مادي بل فعل أخلاقي، وتماماً مثل الأمّ، الأرض تصغي وتتعلم وتعرف كيف تُعيد التوازن إلى ما حولها، فهي ليست سطحاً فقط بل ذاكرة وكيان حي يتحدث إلى الإنسان، وإذا كان الفيلسوف هيجل يرى أنّ الروح تتجلى في الطبيعة، فإن الطبيعة هنا تتجلى في الأمّ، والأمّ تتجلى في الطبيعة، كلٌّ منهما يعلّمنا معنى الخلق، والمعنى، والاستمرارية

الربط بين الأرض والأم ليس مجرد استعارة شعرية أو فكرية، بل هو مفتاح لفهم الدور الحقيقي للمرأة في مجتمعاتنا، تماماً كما ننسى قيمة الأرض في صخب الحياة اليومية ننسى أيضاً الدور الجوهري الذي تلعبه المرأة، فهي الأصل، القاعدة، البداية التي تُبنى عليها كل التفاصيل، الأمّ هي المصدر الأول للطمأنينة، منها يبدأ الإنسان، وعلى كتفيها يكبر، وفي حكمتها يجد توازنه، وإذا كانت الأرض تُحيي بزرعة فالمرأة تُحيي بقيمة، قيمة التربية، وقيمة الوعي، وقيمة الإنسان نفسه، وكلّ محاولة لتهميشها أو اختزالها إلى دور ثانوي تشبه استنزاف الأرض وتجريفها، كلاهما يؤدي إلى فقدان التوازن، وكأنّ الحياة نفسها تتوقف عن النمو.

لقد أدرك الفلاسفة منذ القدم هذه الحقيقة، فقال أرسطو إن التربية أشبه بالزراعة، لا يمكن أن تنمو الفضيلة في روح بشرية إلا في تربة صالحة، وقال جان جاك روسو إن الطبيعة أمٌّ تهدي الإنسان إلى الحقيقة الأولى، بينما ابن عربي رأى أنّ كل أرض لا تُنبت فهي ميتة، وكأنّه يذكّرنا بأن الحياة لا تقوم إلا على جذر، وأنّ الجذر دائماً امرأة، أو أرض، أو كليهما معاً، حتى الشاعر العربي القديم يعبر عن هذه الحقيقة بطريقة بديعة، حين يقول امرؤ القيس: «فَأدْنى لأدنى من الأرض موضعاً…»، وهو حديث عن الأرض بوصفها حضناً وسكناً وأماناً، والمتنبي يقول: «أمٌّ نُجِلّك إن نَجِلّك إنّما هي بعضُ نفسِكَ في يديكَ تُدارُ»، مشيراً إلى أنّ الأمّ ليست مجرد شخصية، بل حياة متكاملة في داخلنا، وعندما نقرأ هذه الكلمات اليوم نشعر بأنها تكتسب بعداً أكبر، إذ أنّ كل كلمة تتعلق بالأرض، وكل كلمة تتعلق بالأمّ تشير إلى جوهر لا يمكن لأي مجتمع أن يزدهر بدونه.

الحضارات القديمة، من مصر إلى بلاد الرافدين، ومن اليونان إلى الهند، اعتبرت الأرض أنثى، وكل رموز الخصوبة والولادة ارتبطت بها، فالإغريق عبدوا "غايا" أمّ الكون، والمصريون عبدوا "إيزيس" رمز الحياة والبعث، وبلاد الرافدين اعتبرت "عشتار" رمز الخصوبة والوفرة، وحتى الديانات الشرقية مثل الهندوسية والبوذية ربطت بين الأرض والأمّ وبين دورة الحياة، كل هذا التراث لم يكن مجرد أساطير، بل محاولات فهم جوهر الحياة نفسها، الحياة التي لا تقوم إلا على حضن أنثوي قادر على احتواء الألم، وعلى منح القوة، وعلى إعادة الولادة كل يوم.

وفي عصرنا المعاصر، تبدو المفارقة واضحة، فالأرض تُستنزف، تُلوث، تُحرم من خصوبتها بفعل التوسع الصناعي والتلوث، والمرأة تُستنزف بدورها بالحدود التي يفرضها عليها المجتمع، ونلاحظ أنّ الابتعاد عن الأرض هو ابتعاد عن الأمّ، وفقدان جذور الإنسان يعني فقدان القدرة على فهم ذاته، فالإنسان الذي لا يعرف أرضه ولا أمّه يعيش حياة بلا اتزان، وكأنّه شجرة بلا جذور، وكل محاولة لإصلاح المجتمع أو إصلاح الطبيعة يجب أن تبدأ بالاعتراف بالأساس، بالأمّ، بالأرض وبالجذر.

الربط بين احترام الأرض واحترام المرأة يتضح أكثر حين نراجع التاريخ والعلوم الاجتماعية، فالمجتمعات التي اعتنت بأرضها وبتنوعها الطبيعي نمت وازدهرت، والمجتمعات التي احترمت المرأة وتقدّمت في تمكينها الاجتماعي والسياسي، حققت تقدماً اجتماعياً وثقافياً واضحاً، فالخصوبة ليست مجرد مفهوم بيولوجي، بل هي قدرة على إنتاج الأفكار، وبناء العلاقات، وصنع المستقبل، وهي نفسها القدرة التي تمنحها الأمّ للطفل، وتمنحها الأرض للبذرة، ومن هنا يمكن فهم التحليل العميق الذي يقدمه ريتشارد تورنر حين يقول إن طريقة تعاملنا مع الأرض تعكس طريقة تعاملنا مع أنفسنا، فاحترام الطبيعة واحترام المرأة وجهان لعملة واحدة، وكلّ مجتمع يهمل أحدهما، يبتعد تدريجياً عن جوهر الحياة.

الأمّ ليست فقط التي تلد، بل التي تمنح الإنسان القدرة على الوقوف في العالم، والأرض ليست مجرد تربة بل ذاكرة وكيان حيّ، كلاهما يعيد تشكيل ما حوله كل يوم، الأرض تعيد إحياء البذور بعد المطر، والأمّ تعيد إحياء أبنائها بعد الجرح، كل منهما يمارس الفعل نفسه: إعادة الحياة إلى مكانها الصحيح، وإعادة معنى الأمان والاستمرار والخلق، وكل مجتمع يحترم هذه الحقيقة يعيش في توازن، وكل مجتمع يتجاهلها يفقد القدرة على النمو والابتكار، فالوعي بالأساس هو مفتاح الوجود

في النهاية، تبقى الأرض والأمّ وجهين لجوهر واحد، قوّة الخلق وقدرة الاحتضان وأصل كل بداية، فالأرض أمّ كبرى، والمرأة أرض صغيرة، وكلتاهما تقولان الحقيقة نفسها: لا حياة بلا جذر، ولا مستقبل بلا من يمنح الحياة ويصونها، ولا حضارة يمكن أن تزدهر بلا احترام للأرض وبلا احترام للمرأة، وهكذا يصبح الإنسان مدركاً أن كل ما يبنيه في الخارج يجب أن يبدأ من الداخل، من الأرض ومن الأمّ، ومن الجذر الذي يحمل كل المعاني، ومن الحنان الذي يجعل الحياة ممكنة.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment