بين السلاح وسقوط إيران… ماذا يستفيد لبنان؟

02/02/2026 - 06:53 AM

secureaisystems

 

 

 

بقلم ناجي علي أمهز

ليس في السياسة ما هو أشد خطراً من الخلط بين الرغبات والوقائع، ولا ما هو أكثر كلفة من قراءة التاريخ بعين الطائفة لا بعين الدولة. ومن هنا، لا يمكن مقاربة مسألة سلاح الحزب، ولا فرضية سقوط إيران، خارج السياق العميق لتكوين المشرق العربي؛ حيث الطائفية ليست عَرَضاً طارئاً، بل بنية راسخة منذ قرون.

التاريخ القريب يعلّمنا أن الزعامة لا تُقاس بالخطابة. جمال عبد الناصر، صاحب الصوت العالي والخطب الطويلة، قاد مشروعاً انتهى بنكسة 1967 وبخسارة مصر لدورها الاستراتيجي، ومن رحم تلك النكسة وُلدت اتفاقية كامب ديفيد. في المقابل، كان حافظ الأسد قليل الكلام، شديد الصمت، يبني دولة إقليمية متماسكة، ويمسك بتوازنات الداخل والخارج لعقود. الرجلان قاتلا “الإخوان المسلمين”، ومع ذلك حوسبا بمعيار طائفي لا سياسي؛ سُمح لعبد الناصر بكل أخطائه لأنه “ابن الطائفة الكبرى”، فيما حُوكم الأسد حتى في قبره لأنه “علوي”.

لقد اتُّهم حافظ الأسد بأنه “إسرائيلي” فقط لأنه علوي، رغم أنه لم يلتقِ مسؤولاً إسرائيلياً ورفض السلام المنفرد والتنازل عن الجولان. بينما يُقدَّم اليوم “الشرع” كبطل، رغم أنه بدأ مسار التنازلات واللقاءات مع الإسرائيليين. ما كان يُعدّ خيانة بالأمس يُقدَّم اليوم بطولة، لا لجوهر الفعل، بل لهوية الفاعل.

الشيعي الذي دافع عن فلسطين ودُمرت مدنه واغتيلت قياداته لأجلها، يُقال عنه اليوم “مجوسي ورافضي وفارسي”. بينما أردوغان التركي، الذي يقيم الاتفاقيات مع إسرائيل، يُنادى بـ“زعيم الأمة”، رغم أنه لم يطلق رصاصة واحدة، بل كانت بلاده تمد إسرائيل بالمواد الغذائية خلال حصار غزة.

هذه المقدمة ضرورية لفهم ما ينتظر لبنان؛ فهي رسالة إلى الشيعة والمسيحيين معاً: لا أحد في هذا المشرق يُحاسَب خارج ميزان الطائفة. الغرب يعرف هذه الحقيقة، ويعرف أن المجتمعات السنية لا تقبل أن تُحكم إلا من أبنائها. وتجربة أفغانستان نموذج واضح؛ إذ فشلت أميركا اجتماعياً لا عسكرياً، لأن الشعب الأفغاني اختار “طالبان” بكل انغلاقها.

حتى شارل مالك والشيخ بيار الجميل، اللذان حاربا إسرائيل بالفكر والسياسة، وُصما بـ“الانعزاليين” لأن بشير الجميل طلب دعماً من إسرائيل لقتال الفلسطينيين. بينما تطلب جبهة النصرة الدعم من إسرائيل لقتال ما تسميه “النظام العلوي”، فيُعتبر ذلك “جهاداً”. والدروز الذين استنجدوا بإسرائيل لحمايتهم من الذبح على يد النصرة، اعتُبروا خونة، بينما دعم إسرائيل للنصرة يُقدَّم كبطولة. إنها ازدواجية المعايير الطائفية التي تحكم المنطقة.

لا ينبغي للبنانيين أن يتوهموا مركزية وطنهم عالمياً؛ فلبنان بالنسبة للغرب “تفصيل حساس”، لا محور الكون. يُحمى لأنه مختبر للتعدد، لا لأنه قوة عظمى. دوره الفلسفي هو مساحة لقاء، وقد صمد رغم مخططات تقسيمه إلى “ولايات خمس”، وهو المخطط الذي يطلّ اليوم برأسه بعد مئة عام.

لقد فشلت كل محاولات الدمج القسري. فسوريا الأسد حاولت أربعين عاماً تفكيك الطائفية بالتعليم والقانون، فانهار كل شيء في أشهر. ولبنان جرب أن يكون “مسيحياً” فخسر، وجرب أن يكون “إسلامياً” فخسر، لأنه بلد لا يعيش إلا بالتوازن.

في مشرق طائفي حتى الموت، لا يمكن مطالبة طائفة مهددة وجودياً بالتخلي عن قوتها دون ضمانات. وإذا كان العالم يريد سحب سلاح الحزب، فليجب عن الأسئلة الحقيقية:

  1. من يحمي الشيعة؟
  2. من يضمن الأمن الاجتماعي؟
  3. من يعوّض مئات آلاف العائلات التي تعيش على شبكة دعم مرتبطة بإيران؟

إيران هنا ليست مجرد شعار، بل شبكة رعاية وتعليم وصحة وغذاء لأكثر من مليون إنسان. قطع هذا الشريان فجأة لا ينتج انتصاراً لفريق، بل ينتج فوضى شاملة و“صوملة” للبنان.

حتى الشركات الكبرى حين تُفلس، تُلزَم بالتعويض كي لا تسبب بطالة واهتزازاً اجتماعياً. فكيف بتنظيم يضم مقاتلين مدربين؟ هل سيُرمون في الشارع؟ أميركا نفسها قدّمت الرعاية والتعويضات لجنودها العائدين من الحروب لأنها تعرف أن المقاتل بلا أفق هو “مشروع حرب داخلية”.

لبنان لا يحتاج أزمات جديدة، بل حلولاً متدرجة. المطلوب “تدوير الزوايا”: استثمار ورقة السلاح لتحصيل انسحاب إسرائيلي، وإعمار، وعودة مهجرين، وضمانات زمنية واضحة. ثم يبدأ نقاش لبناني هادئ بلا تخوين.

أما المراهنة على سقوط إيران، فنتائجها لن تكون “رذاذ مطر” بل “سقوط نيزك”. والسؤال: ماذا سيولد بعد السقوط؟ هل ستنتهي الشيعية السياسية بسلام؟ أم سنشهد سيناريوهات مشابهة لسوريا والعراق؟ هل سيُهجّر الشيعة كما هُجّر المسيحيون والإيزيديون؟ وإن لم يُهجّروا، فكيف سيكون دورهم؟ وهل سيذهب لبنان إلى الازدهار أم سيبقى تحت الابتزاز السياسي لحماية وجوده وحدوده؟

نحن بحاجة إلى حلول، لا إلى صناعة أزمات. نحن كأقليات لم يعد لدينا إلا الدولة، لأنها الحصن الأخير في المنطقة. فلننتقل إلى الدولة بهدوء ورويّة، عبر حوار وتوافق داخلي، لا بتكرار تجربة النكسة المسيحية عام 1990.

اللبنانيون الذين رضخوا لشروط الأميركي والسوري أخطأوا في معالجة الموضوع المسيحي حينها. فهل نعيد الخطأ نفسه اليوم بكلفة أعلى؟

هذا العالم لا يرحم. فقد اغتيل الرئيس بشير الجميل بـ500 كيلوغرام من المتفجرات، واغتيل الرئيس رفيق الحريري بألف كيلوغرام، أما اغتيال السيد نصرالله فكان بأكثر من 83 ألف كيلوغرام من المتفجرات ألقتها الطائرات الحربية.

من استفاد من طوفان الأقصى؟ الفلسطينيون الذين قُتلوا وجُرحوا؟ الأسرى الجدد؟ أم الذين يعيشون بين الموت والقبر في خيم تحت المطر؟ من استفاد من دمار سوريا وتهجير شعبها؟ المستفيد واحد: الدول الكبرى.

الحروب تغيرت، وأدوات الصراع اختلفت. لبنان لا يحتمل أي صراع داخلي. وعلى القيادات، خصوصاً الشيعية والمسيحية، أن تعمل بعيداً عن المزايدات والاستفزازات، لما فيه مصلحة لبنان كله.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment