تثبيت ميزان قوة السعودية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي

02/02/2026 - 00:43 AM

San diego

 

 

د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب *

تتمتع منطقة البحر الأحمر إلى القرن الأفريقي بأهمية استراتيجية، حيث يخدم مضيق باب المندب كبوابة لخليج عدن والمحيط الهندي باتجاه شرق آسيا وجنوبها، مرورا بقناة السويس شمال البحر الأحمر التي تربط بالبحر المتوسط وقارتي أوروبا وأمريكا عبر مضيق جبل طارق، فهو أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وأي توتر ينعكس على سلاسل التوريد العالمية، مما يلقى بظلاله على تعافي الاقتصاد العالمي.

تاريخيا تعد هذه المنطقة بحكم أهمية موقعها الجغرافي نقطة ارتكاز للقوى المهيمنة، مما أدى إلى نشوب نزاعات، وكانت في زمن الحرب الباردة منافسة بين القوتين على القرن الأفريقي من خلال انخراط الجانبين في صراعات بالوكالة.

تحول القرن الأفريقي من هامش جيوبوليتيكي إلى قلب الجغرافيا حتى أصبح ساحة صراع مفتوحة بين قوى إقليمية ودولية، عبر إنشاء قواعد عسكرية، وضخ استثمارات في الموانئ، ودعم حركات محلية انفصالية بما يسمح بإدارة النفوذ والتحكم بالمسارات الحيوية دون كلفة الاحتلال المباشر، وبعضها التواجد تحت عباءات عديدة منها التحالف والشراكة كما في جنوب اليمن.

تحركت السعودية في إسقاط مخططات الحرس الثوري في زرع خلايا ومليشيات طائفية في اليمن وفي دول القرن الأفريقي لتطويق السعودية على امتداد حدودها البحرية، لم يكن دور السعودية فقط لتعزيز أمنها بل لتعزيز أمن الدور العربي الإقليمي من أجل استقرار ضفتي البحر الأحمر من أجل إعادة التوازن للمنطقة.

 وجدت السعودية أن هدفها القضاء على تواجد الحرس الثوري في اليمن وفي القرن الأفريقي، لكن في المقابل فتحت جبهات أخرى في جنوب اليمن، فالدول العربية وتركيا تدعم دولة الصومال، بينما دولة الإمارات بالتحالف مع إسرائيل يدعمان أرض الصومال الانفصالية، بهدف كسب هيمنة إقليمية تتسبب في تقويض السلام الإقليمي على نحو بعيد، بهدف تحقيق جملة من الأهداف أبرزها إيجاد إسرائيل موطئ قدم على الضفة الأفريقية للبحر الأحمر لتوسيع عمقها الاستراتيجي جنوبا، وتوظيف الكيانات المحلية الغير معترف بها دوليا كأدوات ضغط ومساومة إقليمية في ملف تهجير الفلسطينيين أو في الضغط على السعودية في ملف التطبيع من دون دولة فلسطينية، مما يعزز فرضية التطويق الغير مباشر للسعودية.

 يبرز الاعتراف الإسرائيلي المفاجئ بما يعرف بأرض الصومال غير المعترف بها دوليا، وموافقة إسرائيل على الاعتراف بالجنوب العربي، بوصفه تطورا بالغ الخطورة خصوصا في توقيتها الاستراتيجي، أتت في لحظة اضطراب إقليمي، أعقبت حرب غزة والانشغال بالسلام بين العرب وإسرائيل، ومحاولة وقف تصفية القضية عبر الضغط العربي ونجاح السعودية في حشد العالم للاعتراف بدولة فلسطينية وصل العدد 157 دولة، ما يمثل انقلابا دوليا تجاه السلام لتحويل المنطقة المرتبطة بأوروبا والعالم إلى منطقة تنموية ينعكس أثرها على العالم، فيما إسرائيل ترفض المعادلة التي طرحتها السعودية السلام مقابل السلام فيما هي تطالب بإدماجها في منظومة أمنية إقليمية يعاد تشكيلها بما يخدم سيطرة إسرائيلية على الممرات البحرية تحيد القوى الإقليمية وعلى رأسها السعودية.

 ما اعتبرته السعودية تطويق آخر لها، عبر تفكيك الدول الهشة، خصوصا عندما يصبح القرن الأفريقي وجنوب اليمن بؤر ساخنة للإرهاب والعنف، لا سيما حركة الشباب الصومالية التي تنفذ هجمات إرهابية ممولة من خلال أنشطة الاختطاف والتهريب ولا يختلف عنها كثيرا الانتقالي في جنوب اليمن الذي يمارس أنشطة مشابهة بدعم الإمارات وبغطاء إسرائيلي ظنا أن الولايات المتحدة ستغض الطرف، فيما الحقيقية لا يمكن أن تقارن الولايات المتحدة بين الدورين السعودي والإسرائيلي، وما تحتاجه أمريكا من السعودية يفوق ما تحتاجه من إسرائيل، ولا يمكن أن تغامر بعلاقاتها مع السعودية من أجل إسرائيل.

السعودية نجحت في وقف تغذية إسرائيل الأقليات في سوريا، كما نجحت في تحييد الدورين الإماراتي والإسرائيلي في القرن الأفريقي وفي جنوب اليمن، أي أن السعودية نجحت في تجميد الملفات الأكثر سخونة في المنطقة في السودان وفي اليمن والقرن الأفريقي.

أدركت الأطراف التي ساهمت في تسخين تلك الملفات أن التصعيد أو إعادة التصعيد بات عالي الكلفة خصوصا بعد دخول فاعلين إقليميين كتركيا التي ساهمت مع السعودية في استعادة الاستقرار في سوريا، وباكستان التي تقيم تحالفا عسكريا مع السعودية، ومصر التي تعاني من ملفات ساخنة في ليبيا والسودان والقرن الأفريقي وهي غير قادرة بمفردها على حسم هذه الملفات، وهذه الملفات ليست خلافات تكتيكية بل بنيوية.

السعودية تدعم استقرار الدول ووحدتها، وترفض نفوذ المليشيات العابرة للحدود والتي تهدد أمن الدول لصالح دول خارجية، وهما نسقين متوازيين غير قابلين للدمج، وهو ما فرض على السعودية الانتفاضة للدفاع عن الأمن السعودي والعربي والإقليمي.

 

* أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة أم القرى بمكة

 Dr_mahboob1@hotmail.com

 

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment