عادل صوما
انضم وزير خارجية إسبانيا خوسيه مانويل ألباريس إلى الرئيس الفرنسي ابمانوبل ماكرون الذي يروج لفكرة جيش أوروبي مشترك كرادع (ضد سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لضم غرينلاند) بعد تجميع أصول أوروبا لدمج صناعاتها الدفاعية بالشكل الصحيح. وقال ألباريس: "أي جهد مشترك سيكون أكثر كفاءة من سبعة وعشرين جيشاً وطنياً منفصلا، لأن الهدف من مثل هذا الجيش ليس أن يحل محل الناتو، لكن لإثبات أن أوروبا ليست المكان الذي يسمح لنفسه بأن يتعرض للإبتزاز عسكرياً أو اقتصادياً."
طوفان خطابات
الخطاب يشبه إلى حد كبير حماسية وهلامية خطاب إسماعيل هنية عشية مصيبة "طوفان الأقصى" على "حماس" نفسها أولا، فالرئيس ماكرون ورئيس الوزراء الإسباني ومن لف لفهما تجاهلا تماماً عدد اللغات التي تتكلمها أوروبا، واستحالة تكوين جيش لا يفهم معظمه كل لغات القارة، بالاضافة إلى مكان تدريبات مثل هذا الجيش، وكيف سيتحرك لوجستياً وهل ستقتصر مهمته على صد أي هجوم أميركي على غرينلاند فقط، بينما الغرب بكامله يتجاهل الابتزاز والسيطرة الصينية عليه اقتصادياً، ويتعامى تماماً عن طموحات بكين بالسيطرة على الكوكب سنة 2045، وبدأ ينتبه متأخراً إلى خطر الإسلام السياسي بعد استفحاله.
الرئيس ترمب أراد فتح باب مناقشة المحادثات بين أميركا والدانمرك حول اتفاق الدفاع الموقع بينهما سنة 1951 بخصوص غرينلاند، لأن مستجدات مهمة تحدث، والزمن لم يعد منتصف القرن العشرين، وترمب يود استباق طموحات الصين التي بدأت فعلا هدم الجبال (تحت اسم تحدي الإله) لإعادة تأهيل طريق الحرير مرة ثانية لربط قلب آسيا برياً، وليس مستبعدا بناءً على طموحات الصين وشرائها لأصول كثيرة في أوروبا، أن تأخذ خطوات جدية نحو السيطرة على ممر غرينلاند البحري بعد ذوبان الجليد بسبب الاحتباس الحراري.
مارك روته أمين عام حلف "الناتو"، تجاهل لغة ترمب التي لا يجامل فيها ولا يرتدي أي قفازات ديبلوماسية (وهذه مشكلة في إسلوبه) وجلس معه لمناقشة وقائع تتحدث أوروبا عنها خلف الابواب، بينما "متلازمة اضطرابات ترمب" جعلت معظم القادة الأوروبيين الذين لا رؤى لهم أو كاريزما يركزون على طريقة تعبير ترمب بالغة الجرأة، ويعتبروها إهانة لذكائهم أو لدولهم.
وقائع ومستقبل
أوراق الرئيس ترمب كلها مكشوفة على الطاولة، والغرب بكامله لا يستطيع عمل شيء بدون أميركا، حتى الحرب العالمية الثانية حسمتها أميركا على أراضي أوروبا واليابان، والنسبة الأكبر من تمويل الناتو تتحمله أميركا.
غرينلاند ستُستهدف آجلا أو عاجلا سواء بواسطة روسيا أو الصين، وبناء قواعد أميركية على أراضي غرينلاند سيحمي أوروبا ضمناً، بل أن تواجد أميركا على غرينلاند سيغني هذه البقعة الجليدية وسيحولها إلى بقعة صناعية متقدمة، بدلا من الاعتماد على أنشطة تقليدية مثل تصدير السمك وصيد الحيتان وصناعة المنسوجات، بالإضافة إلى دعم الحكومة الدانماركية الذي يمثل حوالي نصف إيرادات غرينلاند.
أجراس ترمب
اللغة التي يستخدمها الرئيس ترمب ليست لغة تهديد بقدر ما هي لغة تحذير، فهو من الغيورين على ثقافة الغرب ومكتسبات حضارته وهويتها، ولديه الجرأة أن يتهم علانية محافظ لندن بأسلمة العاصمة البريطانية، بينما لم يجرؤ أحد السياسيين البريطانيين على قول ذلك رغم معرفتهم به، ولدى الرئيس ترمب الجرأة أن يرد الصاع لمن يتهمه بالعنصرية.
دقات الجرس
هناك اختلاف في صوت وإيقاع الاجراس. هناك الدقات الخافتة الرتيبة التي تُعبِّر عن وجود جنازة في كنيسة، وهناك أجراس الإنذار وهي عادة عالية. والمؤكد أن قرع أجراس الرئيس ترمب عالية بما فيه الكفاية، بل أعلى من اللزوم أحياناً، والوقت ليس لحسابات ضيقة وكرامة شخصية لرؤساء أهدروها هم وأسلافهم، بالسماح لثقافات بلادهم أن تُنتهك، وفتح باب الهجرة غير الشرعية والانفاق على هذه النوعية من المهاجرين، وتجاهل تهديد ركائز العَلمانية، وعدم مراقبة المساجد التي تحولت من أماكن صلاة إلى مراكز ترسيخ كراهية الدول، والتمهيد لذوبان الهوية القومية حتى لا تشعر الأقليات المهاجرة بأي غبن، وغض النظر عن مؤسسات الارهاب التي تنتشر تحت دعاوى غريبة تصل أحياناً إلى "جمعيات صداقة" و"مؤسسات غير ربحية".
منهجان مختلفان
ما الذي يجمع الرئيس ماكرون برئيسي وزراء إسبانيا وكندا وغيرهم؟ هل الجلوس على مائدة المفاوضات أم الوجود على لائحة الطعام كما قال مارك كارني في كلمته الحماسية في داڤوس؟
حسب الوقائع، يُعتبر الرئيس ترمب من اليمين القومي، بينما معظم رؤساء ورؤساء وزراء الغرب من الليبراليين أو اليسار الذي فقد بوصلته الأصلية في الغرب. منهجان فكريان يستحيل أن يلتقيان أو يتعايشان.
إدمان التصحيح السياسي وجلد الذات والندم على فترة الاستعمار الغربي والخجل من العِرق الأبيض وفتح باب الهجرة غير الشرعية وعدم الاكتراث بضياع الهوية وعدم المبالاة بالشخصية القومية والايمان بالتعددية اللامتناهية التي ستجعل أهل أي بلد يصبحون أقلية، أمور ليست على أجندة الرئيس ترمب، وهو صريح إلى حد إهانة الآخرين في حثهم للدفاع عنها.












02/02/2026 - 00:35 AM





Comments