د. مهى محمّد مراد
لبنانُ على حافةِ الحسم: بين طريقِ الأرز وطريقِ الغاب…
في الواقع، لم يعدْ لبنان أمام أزمة عابرة أو مرحلة سياسيّة قابلة للاحتواء بالترقيع والتسويات المؤقتة، فنحن اليوم أمام لحظة حسم تاريخية، مفصلية، لا تحتمل التأجيل ولا الخداع.. إنّها لحظة الفصل بين مشروعين متناقضين بالكامل: طريق الأرز وطريق الغاب.
طريقُ الأرز هو طريق اللبنانيّين الأحرار، المستقلّين، الذين لم يرهنوا قرارهم ولم يساوموا على كرامة وطنهم، هو طريق من يؤمن بأنّ لبنانَ لا يُدار بالعصبيات ولا بالوصايات، بل يُبنى بدولة قوية وبمؤسسات فاعلة وبإدارة حديثة تقوم على اللامركزية الإدارية الموسّعة والإصلاح الإداري الجذري والتنمية المستدامة التي تعيد التوازن بين المناطق وتكسر منطق الحرمان المزمن.
هذا الطريقُ ليس شعارًا رومانسيًا ولا حنينًا شعريًا إلى الأرز، بل هو مشروع سياسيّ واضح المعالم، يبدأ من إعادة الاعتبار للدولة كمرجعيّة وحيدة، وينتهي بإعادة الثقة بين المواطن ومؤسساته. هو طريقُ من يريد إعادة إعمار الإنسان قبل الحجر، ومن يرفض أن يبقى لبنان ساحةً مفتوحةً لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
في الجهة المقابلة، يقف طريق الغاب، حيث تسودُ شريعة الأقوى، وتُختصر السياسة بالولاء للخارج، ويُباع القرار الوطني بأبخس الأثمان. هناك، لا برامجَ ولا رؤى، بل تبعيات واضحة، وارتباطات مفضوحة، وانتظار دائم لإملاءات تأتي من خلف الحدود. هؤلاء لا يملكون مشروع دولة، لأنّ الدولة تتناقض أصلًا مع مصالحهم. فهم لا يعنيهم مستقبل لبنان، لأن حساباتهم لا تُقاس بسنوات بل بتحويلات مالية ومكاسب آنية.
إن أخطرَ ما في طريق الغاب، ليس فقط فساده، بل فراغه السياسي، فهو طريقٌ لا يعرف إلى أين يذهب، ولا يحمل أيّ تصوّر للإنقاذ، بل يكتفي بإدارة الانهيار والاستثمار في الفوضى، حتى أصبح اللبناني غريبًا في وطنه، محاصرًا بالفقر، ومهدّدًا في أمنه الاجتماعي والمعيشي.
ومن موقعنا كمستقلّين، لا نرفعُ السقف للمزايدة، بل نطالب بمعالجة الملفات الحسّاسة بجرأة ومسؤولية. ومن هنا، نؤكد على ضرورة التنسيق الواضح بين الدولة اللبنانية والدولة السورية لتسهيل تسليم السوريين المعتقلين في لبنان إلى دولتهم، لمحاكمتهم هناك وفق الأصول القانونية. هذا الإجراء ليس تنازلًا عن السيادة، بل هو تنظيم لملف شائك طال إهماله، ويمهّد لعملية فرز عادلة ومسؤولة، وصولًا إلى عفوٍ عام مدروس يحفظ حقوق الإنسان، ويصون أمن لبنان، ويمنع استخدام هذا الملف كورقة سياسية أو مادة للتحريض.
إن بناءَ الدولة لا يتمّ بالشعارات ولا بالمواقف الشعبوية، بل بالقرارات الصعبة. ونحن كمستقلّين، مطلبنا واضح ولا لبسَ فيه: نريد دولة! دولة حرّة، سيّدة، مستقلّة، نظيفة من الفساد، لا تُدار بعقلية الغنائم ولا بمنطق المحاصصة. نريد فتح صفحة جديدة، لا على الورق، بل في الممارسة السياسية اليومية.
نحن هنا لننظّف البلد من منظومة الفساد، لا للانتقام بل للإنقاذ، لنمشي في المسار الصحيح، لا لأنّ الطريق سهل، بل لأنّ البديلَ هو السقوط النهائيّ.
لا دولة بلا محاسبة، ولا سيادة بلا قرار وطني مستقل، ولا إصلاح بلا كسر حلقة المصالح التي خنقت لبنان لعقود.
ومن هذا المنطلق، نوجّه نداءً واضحًا وصريحًا إلى الشعب اللبناني، وإلى وزير الداخلية، ورئيس مجلس الوزراء، ورئيس الجمهورية:
لا تقبلوا بعد اليوم بلوائحَ انتخابيةٍ بلا برامج.
لا تمنحوا الشرعيةَ لمن لا يملكُ خطة مكتوبة، وجدولًا زمنيًا، ورؤية قابلة للمحاسبة.
فالنيابةُ ليست وجاهةً اجتماعيةً ولا مكافأةً سياسية، بل مسؤولية وطنية كبرى.
إن اشتراطَ البرامج والكتب السياسية وخطط العمل الواضحة، ليس تفصيلًا إداريًا، بل هو المدخل الوحيد لإعطاء المستقلّين وأصحاب المشاريع الحقيقية فرصة عادلة للوصول إلى المجلس النيابي. هناك، فقط هناك، يمكن أن يبدأ التغيير الفعلي، وأن يستعيد المجلس دوره كسلطة تشريع ورقابة، لا كغرفة صفقات.
نحن نؤمن أن لبنانَ لا يزال قابلًا للإنقاذ، شرط أن نختار الطريق الصحيح، طريق الأرز، طريق الدولة، طريق الكرامة الوطنية. أما طريق الغاب، فقد جرّبناه طويلًا، ولم يحصدْ منه اللبنانيون سوى الخراب.
القرار اليوم ليس بيد الخارج، بل بيد اللبنانيين.
إما دولة… وإما لا وطن.
لذلك، ليكنْ خِياركم طريق الأرز،
لا طريق الغاب، خِيار المحاسبة، لا التبعية.
ونضع هذا الخِيار بين أيدي اللبنانيين، لأنّ القرارَ في هذه الانتخابات ليس تفصيلًا… بل مصير وطن!












02/02/2026 - 00:17 AM
.jpg)




Comments