مرجع قضائي: لا حلّ لوضع السجناء اللبنانيين خارج إطار إقرار قانون العفو العام
كتب الاعلامي روجيه ابو فاضل
شهد ملف الاتفاقية القضائية اللبنانية - السورية في المرحلة الأخيرة مسارًا تفاوضيا معقدًا، اتسم بالحساسية والدقة، وترجم بسلسلة اجتماعات متبادلة بين بيروت ودمشق، شملت ثلاث زيارات للوفد القضائي اللبناني إلى سوريا، وثلاث زيارات مقابلة للوفد القضائي السوري إلى لبنان، في إطار محاولة جدية لمعالجة ملف السجناء السوريين المحكومين في السجون اللبنانية، ضمن مقاربة قانونية تحفظ سيادة الدولتين.
وقد ترأس الوفد القضائي اللبناني في هذه المفاوضات، مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، فيما عقدت الاجتماعات التي استضافها لبنان في السراي الحكومي الكبير برئاسة نائب رئيس الحكومة طارق متري وبمشاركة الجهات القضائية المختصة، ما وفر غطاء رسميا وقانونيا لهذا المسار التفاوضي.
وبحسب المعطيات لم تكن المباحثات سهلة أو سلسة في جميع مراحلها، إذ تشير مصادر متابعة إلى أن الزيارة الثالثة للوفد اللبناني إلى دمشق، ترافقت مع أجواء متشنجة داخل الاجتماعات، حيث طرح الجانب السوري مطلبًا واضحًا، يقضي بإخراج جميع السجناء السوريين من السجون اللبنانية دفعة واحدة، واعتبر أن تنفيذ هذا المطلب يشكل مدخلًا أساسيًا، لفتح مرحلة جديدة في العلاقات بين الدولتين، وفي حال الرفض فان العلاقات السورية - اللبنانية لن تكون سليمة.
أمام هذا الطرح، تولى رئيس الوفد اللبناني القاضي كلود غانم إدارة النقاش من موقع قانوني بحت، مقدمًا شرحا مفصلا للصعوبات القانونية والدستورية، التي تحول دون اتخاذ قرار شامل من هذا النوع، موضحا أن النظام القضائي اللبناني يقوم على قواعد وإجراءات لا يمكن تجاوزها، وأن أي قرار بإخراج جماعي للسجناء، يستوجب توافقا حكوميا وتشريعيا، نظرا لارتباطه بتطبيق القوانين النافذة وصلاحيات السلطات الدستورية، فضلا عن الواقع السياسي والحزبي المتداخل في البلاد.
وشدد القاضي غانم خلال المباحثات على أن لبنان حريص كما سوريا على الحفاظ على سيادته القضائية، وأن أي اتفاق يجب أن يبنى على احترام القوانين والمؤسسات، لا على حلول استثنائية قد تفتح الباب أمام إشكالات قانونية ودستورية، كما أكد أن المقاربة الواقعية تفرض اعتماد خطوات تدريجية قابلة للتنفيذ، بدلا من مطالب شاملة تصطدم بجدار القانون.
وبعد ساعات طويلة من الأخذ والرد والنقاشات الحادة أحيانا، توصل الطرفان إلى تفاهم يقضي بمتابعة الاتصالات بين الجانبين، واعتماد مسار تفاوضي تدريجي، ما مهد لاحقا للتوصل إلى اتفاقية أولية تقضي بإخراج 261 سجينا سوريا محكوما، ضمن آلية قانونية واضحة كخطوة أولى على طريق معالجة هذا الملف الشائك.
وفي موازاة ذلك، ومع تقدم هذا المسار القضائي، تصاعدت في الداخل اللبناني حالة الغضب والاحتقان لدى أهالي السجناء والموقوفين اللبنانيين، في ظل غياب أي حل مماثل لأبنائهم ولا سيما بعد شروع عدد منهم بإضراب عن الطعام في سجن رومية وسجن طرابلس وبعض السجون الأخرى، احتجاجًا على ما يعتبرونه تنصلا من الوعود السياسية، التي أطلقت قبل الانتخابات النيابية بإقرار قانون العفو العام.
ويشير أهالي السجناء إلى أن تلك الوعود تحولت إلى وعود وشعارات انتخابية، سرعان ما سقطت مع انتهاء الاستحقاق النيابي، من دون أن تطرح او تجد طريقها إلى التشريع، ما عمق شعورهم بالغبن وعدم المساواة في المعالجة لهذا الملف، الذي لم يكن يوم من اهتمامات الحكومة او الحكومات السابقة.
وفي هذا الإطار، يؤكد مرجع قضائي رفيع متابع للملف، أن لا حل قانونيًا وشاملًا لوضع السجناء اللبنانيين خارج إطار إقرار قانون العفو العام، معتبرا أن هذا القانون بات ضرورة وطنية، في ظل انطلاقة عهد رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، وما رافقه من التزامات في خطاب القسم وبيان الحكومة برئاسة رئيس الحكومة نواف سلام، لجهة بناء دولة المؤسسات وتفعيل العدالة.
ويضيف المصدر أن الرئيس جوزيف عون لم يعترض ولم يعارض مبدأ العفو العام، بل إن هذا الطرح جرى تداوله في اجتماعات رسمية، حيث شدد النائب العام التمييزي القاضي جمال حجار على ان العفو العام، هو المخرج الوحيد لمعالجة هذا الملف المتراكم، فيما اقترح أحد القضاة الكبار اعتماد مقاربة مزدوجة، تقوم على اقرار عفو عام للبنانيين، مقابل استكمال الاتفاقية القضائية الثنائية الخاصة بالسجناء السوريين بين الدولتين.
ولا يمكن فصل هذا المسار عن الدور الذي أدّاه نائب رئيس الحكومة طارق متري ووزير العدل عادل نصار، سواء لناحية مواكبة المفاوضات القضائية، أو تأمين الإطار الحكومي والسياسي اللازم لاستمرارها، بما يوازن بين الاعتبارات القانونية والإنسانية والسيادية.
وتلفت مصادر قانونية إلى أن إقرار قانون العفو العام في حال إنجازه، لن يقتصر أثره على البعد الإنساني والاجتماعي، بل ستكون له انعكاسات مالية مباشرة على خزينة الدولة، من خلال تحصيل الرسوم القضائية ومعاملات تخليص الملفات، إضافة إلى دعم صندوق تعاضد القضاة، وتنشيط عمل المحامين، بما يخلق حركة مالية يحتاجها القطاع القانوني في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة.
بين اتفاقية قضائية للسجناء السوريين، وعفو عام مطلوب للسجناء اللبنانيين، يقف هذا المِلَفّ اليوم أمام اختبار حقيقي لصدقية المرحلة الجديدة، وقدرة الدولة على ترجمة الشعارات إلى قرارات قانونية عادلة ومتوازنة، تعيد الثقة بالقضاء وبدولتهم وحكومتهم ونواب الامة، كما وتخفف من الاحتقان الاجتماعي المتراكم












02/01/2026 - 21:56 PM





Comments