رشيد ج. مينا
يُعرَّف التشذيب على أنه عملية قصّ وتهذيب الأجزاء الزائدة أو التالفة لتحسين المظهر أو الأداء. وهذا التعريف، بحمولته التقنية والرمزية، ينطبق بدقة على ما تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى القيام به تجاه إيران في هذه المرحلة.
على مدى أكثر من أربعين عامًا، ورغم كل ما قام به النظام الإيراني منذ إسقاط نظام الشاه، لم تُقدِم الولايات المتحدة على مواجهة حقيقية تهدف إلى إسقاط هذا النظام أو إنهاء دوره. لم تُهدَّد المصالح الأمريكية جوهريًا، على الرغم من الخطاب الإيراني العالي النبرة والمعادي لأمريكا وإسرائيل. ذلك الخطاب لم يكن يومًا أكثر من أداة تعبئة، ومفتاحًا للتغلغل داخل النسيج العربي الرافض للسياسات الأمريكية والمعادي لإسرائيل.
رفعت إيران شعار «تصدير الثورة»، لكن ما صدّرته فعليًا كان الفوضى. فوضى تتقاطع، بشكل أو بآخر، مع المفهوم الأمريكي المعروف بـ«الفوضى الخلّاقة». الجميع يدرك الدور الإيراني في العراق، الذي تماهى مع الغزو الأمريكي، وإن اختلفت الشعارات، حيث انتهت تلك المرحلة بتدمير الدولة العراقية ونظامها ودورها الإقليمي، والسيطرة على مقدراتها، لتتحول إلى نقطة انطلاق أساسية للنفوذ الإيراني.
ومن العراق، تمدّد النفوذ الإيراني إلى سوريا ولبنان وغزة واليمن. بنت إيران قوى وفصائل، وقدّمت لها كل أشكال الدعم، لكنها في المحصلة ساهمت في تفكيك الدول، وزعزعة استقرارها، وإضعاف مجتمعاتها، بما فتح المجال أمام المشروع الصهيوني التوسعي الوحشي ليتمدد مستفيدًا من هذا الانهيار المنهجي.
ما جرى ويجري على الجبهة الأمريكية–الإيرانية لا يهدف، في جوهره، إلى إسقاط النظام في إيران، ولا إلى إدخالها في فوضى داخلية تهدد وحدتها. الهدف الحقيقي هو التشذيب لا الهدم. دور إسرائيل هنا ليس إلا أداة ضغط، تُستخدم حين تقتضي الحاجة، لخدمة الأهداف الاستراتيجية الأمريكية.
تعتقد واشنطن أن ما أرادته من إيران خلال العقود الأربعة الماضية قد تحقق: تمدد، استنزاف، تفكيك محيط، ثم حان وقت التشذيب. أي قطع الامتدادات الإقليمية الإيرانية، وإعادتها إلى داخل جغرافيتها، وإجبارها على تموضع جديد ضمن الاستراتيجية الأمريكية الأشمل، خصوصًا في سياق الصراع مع الصين أولًا، وروسيا ثانيًا، وربما تحييد إيران كمرحلة أولى بدل تحويلها إلى عدو مباشر.
بهذا المعنى، تتصرف أمريكا بانسجام كامل مع سياساتها الكونية القائمة على القوة العسكرية، والتفوّق التكنولوجي، ومحاولة فرض السيطرة على العالم، متجاوزة القوانين الدولية، والتوازنات التي أفرزتها الحرب العالمية الثانية، والأسس التي قامت عليها منظومة الشرعية الدولية المتمثلة بمجلس الأمن والأمم المتحدة.
ويبقى السؤال المنطقي والأخطر: أين العرب من كل ما يجري؟
هل هم طرف حاضر في الحسابات الدولية؟
أم مجرد ساحات تُستخدم، ثم يُعاد ترتيبها على طاولات الآخرين؟
غياب المشروع العربي، وتفكك الموقف العربي، جعلا المصالح العربية خارج معادلات القرار، بينما تُدار الصراعات فوق الأرض العربية وبدماء شعوبها. وفي ظل هذا الواقع، لن يكون العرب إلا الخاسر الأكبر ما لم يدركوا حجم التحولات الجارية، ويعيدوا بناء موقف موحد يحمي مصالحهم ودورهم في عالم يُعاد تشكيله بالقوة.












02/01/2026 - 20:59 PM





Comments