د.اسماعيل المسلماني *
أعاد السابع من أكتوبر تعريف خطوط الصدع في العالم العربي، ليس بوصفه حدثًا عسكريًا فحسب، بل كـ لحظة فرز تاريخية. ما تلا هذا اليوم كشف أن الانقسام الحقيقي لم يعد بين سني وشيعي، ولا بين إسلامي وعلماني، ولا حتى بين يمين ويسار، بل بين مدرسة ترى الصراع خيارًا لا مفر منه، وأخرى ترى فيه عبئًا يجب التخلص منه بأي ثمن. هنا تبلورت بوضوح مدرسة المقاومة في مقابل مدرسة الانبطاح.
مدرسة المقاومة لم تولد من رحم أيديولوجيا واحدة، بل من تجربة مشتركة مع الهيمنة. تجد فيها الإسلامي الذي يرى فلسطين واجبًا شرعيًا، والماركسي الذي يراها معركة ضد الاستعمار، والقومي الذي يعتبرها جوهر المشروع العربي. ما يجمع هؤلاء ليس الخطاب، بل الاستعداد لدفع كلفة الموقف. لذلك رأينا، بعد 7 أكتوبر، كيف التقت لغات مختلفة على موقف واحد: رفض الرواية الإسرائيلية، التشكيك في “الأخلاق الغربية”، وإعادة الاعتبار لفكرة أن القوة وحدها لا تصنع شرعية.
في المقابل، كشفت مدرسة الانبطاح عن نفسها بلا تردد. نخب إعلامية كانت ترفع شعارات التقدم، وأنظمة طالما تحدثت عن “الثوابت”، ومثقفون بنوا رصيدهم على نقد الاستعمار، انتقلوا فجأة إلى خطاب واحد: إدانة الضحية، شيطنة المقاومة، وترديد مفردات الأمن والاستقرار. لم يكن هذا التحول صدفة، بل تعبيرًا عن وظيفة: إدارة الهزيمة، وتبريرها، وتحويلها إلى خيار عقلاني.
الربط هنا مهم: هذه المدرسة لا تعمل في الفراغ. هي جزء من منظومة إقليمية ترى في أي فعل مقاوم تهديدًا مباشرًا لاستقرار أنظمتها، وفي أي انفجار شعبي خطرًا يتجاوز فلسطين. لذلك تماهت لغتها مع الإعلام الغربي، وتبنت منطقه: “إسرائيل تدافع عن نفسها”، و“الوقت غير مناسب”، و“الواقعية تقتضي التهدئة”. الواقعية هنا ليست توصيفًا، بل غطاء أيديولوجي للانبطاح.
الأخطر أن هذا الانقسام انعكس على الشارع العربي نفسه. لم يعد الخلاف حول “كيف نحرر فلسطين”، بل حول سؤال أبسط وأقسى: هل تستحق فلسطين أن نتحمّل كلفة؟ مدرسة المقاومة تجيب بنعم، مهما كانت النتائج، لأن البديل هو موت المعنى. مدرسة الانبطاح تجيب بلا، لأن الأولوية هي بقاء النظام، أو راحة الفرد، أو رضا الخارج.
بهذا المعنى، 7 أكتوبر لم يوحّد العرب، لكنه فضحهم. أظهر من يرى في فلسطين مرآة لكرامته، ومن يراها عبئًا على طموحاته. أخرج الصراع من حقل المناورة الخطابية إلى حقل الاصطفاف الحقيقي. ولم يعد ممكنًا بعد اليوم الاحتماء بالمنطقة الرمادية: إمّا موقف، وإمّا تبرير.
الخلاصة أن الصراع لم يعد بين مشاريع سياسية فقط، بل بين منطقين للحياة السياسية: منطق يرى أن الحرية تُنتزع، ومنطق يرى أن السلامة في الانحناء. وفي لحظات التحول الكبرى، لا يُسأل الناس عمّا قالوه يومًا، بل عمّا فعلوه حين كان الصمت خيانة، والحياد موقفًا مستحيلًا.
* مختص بالشان الإسرائيلي












02/01/2026 - 08:49 AM





Comments