بقلم عدنان القاقون
لم يسبق لي أن تناولت في مقالاتي شخصية سياسية، لأسباب عدة. لكن في حالة رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري، يصبح الحديث عن شخصه حديثًا عن حالة سياسية لبنانية – عربية تمثل الاعتدال بكل ما للاعتدال من كلفة في زمن الطوفانات الفكرية الضيقة.
أكاد أجزم بأن أحدًا من سياسيي لبنان لم ينل مجد الإرث السياسي كما ناله سعد رفيق الحريري. وأجزم أيضًا بأن أحدًا منهم لم يحمل عبء إكمال المسيرة كما حمله سعد الحريري، إذا أخذنا في الاعتبار الظروف الداخلية والإقليمية التي أحاطت به.
لا أعرف الرجل عن قرب، واقتصرت لقاءاتي به على هامش زياراته إلى الكويت حين كنت أتولى إدارة الأخبار المحلية في جريدة القبس.
ومشكلة سعد الحريري، في تقديري، تكمن في كلمة واحدة: الثقة. فقد قدّم مشروعه السياسي على قاعدة الثقة، وثبت على موقفه رغم إدراكه أن أركان المنظومة الحاكمة قائمة على رمال ليست متحركة فحسب، بل متلونة أيضًا. لكنه أبى أن يكون إلا سعد رفيق الحريري.
نظريًا، لبنان اليوم أمام استحقاق انتخابي استثنائي الأهمية.
وعمليًا، المنطقة كلها – بما فيها لبنان – تعبر منعطفًا تاريخيًا.
طوفانات التقوقع، بكل ألوانها الطائفية والعنصرية والطبقية، تجرف كيانات التلاقي الثقافي والفكري، وتهدد في العمق بيئة الاعتدال. وما يجري في سوريا مثال حي، وإن حاول البعض تجميل المشهد باتفاق هنا أو بهرجة إعلامية هناك.
بعيدًا عن حبكة الكلمات والعبارات الإنشائية، لبنان اليوم بحاجة إلى مدرسة الاعتدال التي كرستها الحريرية السياسية. فعودة الرئيس سعد الحريري ليست ترفًا سياسيًا، بل حاجة وطنية بامتياز.
في التاسع عشر من يوليو 2021، اتخذ الرئيس سعد الحريري القرار الصعب. تجرّع كأس الاستقالة، ودفع – ولا يزال – فاتورة تصدّع هيكل المنظومة ومكوناتها، التي تراقب بعين القلق قراره بشأن العودة إلى الميدان السياسي.
ليس خافيًا أن وريث الحريرية السياسية تعرض لحملة عنيفة من "شركاء الماضي" السياسي. وفي نظر هؤلاء، فإن خروج الحريري من المشهد كان يتيح إعادة تدوير زوايا الهيكل، وهو أمر ليس سهلًا في ضوء متغيرات الداخل والتطورات الإقليمية المتسارعة.
ويدرك الرئيس الحريري دقة الموقف الإقليمي وحساسيته تجاه عودته إلى المعترك السياسي، لكنه متيقن في الوقت نفسه من أن حلفاء الأمس مطوقون بخطوط حمراء تمنع مجرد التفكير في نسج تحالفات انتخابية مع جهات وُضعت في صندوق "دعم الإرهاب".
في الرابع عشر من فبراير الجاري، ينتظر محبو الحريري وأنصاره ظهوره لإحياء ذكرى استشهاد رفيق الحريري. ومجاميع الاعتدال اللبناني، في مختلف المناطق، تنتظر أيضًا.
أي خطاب سيلقيه سعد الحريري في 14 شباط؟
الخصوم كثر، والقلقون كثر، لكن للاعتدال تيارًا وطنيًا يسري في عروق لبنان












01/31/2026 - 23:14 PM





Comments