رشيد ج. مينا
ليس سقوط طاغية دمشق حدثًا عابرًا في تاريخ المنطقة، بل محطة مفصلية تُشكّل نهاية مرحلة سوداء امتدت لأكثر من أربعة وخمسين عامًا؛ مرحلة طبعتها أنظمة القمع والقتل والإذلال، ولم تقتصر مآسيها على الشعب السوري وحده، بل طالت اللبنانيين والفلسطينيين، وكل من لامس بطش هذا النظام وأذرعه. بل إن ما ارتُكب بحق الشعوب الثلاثة تجاوز في فظاعته أحيانًا أجندات العدو الصهيوني نفسه.
إن إحياء هذه الذكرى – بل هذا العيد – هو احتفال بانتصار إرادة الشعب العربي السوري، وهو ليس تدخلًا من مواطن لبناني في الشأن السوري، بقدر ما هو تعبير عن وجعٍ مشترك وجرحٍ عميق خلّفه النظام البائد في سوريا ولبنان وفلسطين، وفي القضايا العربية عمومًا. فقد جعل ذلك النظام من سوريا قاعدة وممرًا للمشروع الإيراني، ومكّن طهران من التغلغل وبناء الأذرع داخل البلدان العربية، وخطف قرارها الوطني، والهيمنة على أنظمتها، والمتاجرة بالقضية المركزية للعرب: فلسطين.
إن انتصار سوريا اليوم، وسعيها إلى استعادة قرارها الوطني، ولمّلمة جراحها، وبناء دولتها من جديد، يستوجب دعمًا عربيًا صادقًا ومؤازرة حقيقية لقيادتها الجديدة، من أجل تحقيق الوحدة الوطنية السورية، وإعادة بناء الدولة على أسس العدالة والحرية والمساواة، بعيدًا عن الاستبداد والوصاية والارتهان للخارج.
سوريا العربية، الموحدة، الحرة، السيدة والمستقلة، ليست انتصارًا لشعبها فحسب، بل تشكّل أيضًا أكبر دعم للبنان للخروج من نفقه الطويل، ولمواجهة العدوان الصهيوني المستمر على سوريا ولبنان وفلسطين واليمن، ومشاريعه التوسعية التي تستهدف المنطقة بأسرها.
وكما نريد لسوريا الوحدة والحرية والعدالة والمساواة، نريد لوطننا لبنان – هذا الوطن المثخن بالجراح – أن يكون وطنًا لا ساحة، دولة لا رهينة، وبيتًا جامعًا لكل أبنائه، لا ميدانًا لصراعات الدول. نريد لبنان الواحد، العربي، الديمقراطي، السيد الحر.
هنيئًا لسوريا العربية هذا الانتصار، وهنيئًا لنا جميعًا به؛ انتصارٌ لن يكتمل إلا بتحقيق الوحدة الوطنية في البلدين، ومعالجة كل ما يعيق بناء أفضل العلاقات الأخوية التي صاغها التاريخ، وكرّستها الجغرافيا، وفرضتها المصالح المشتركة والمصير الواحد.












01/31/2026 - 23:10 PM
.jpg)




Comments