ما بعد الضربة المحتملة: كيف تُدير إيران خيارات الرد وحدود التصعيد؟

01/31/2026 - 18:12 PM

San diego

 

في خضم سيل الأخبار والتقارير التي تتحدث عن تحشيد عسكري أميركي واستعدادات إسرائيلية لاحتمال مواجهة مع إيران، يصبح من الضروري التمييز بين منطق الخبر ومنطق الاستراتيجية. فالتحركات والتصريحات، مهما بلغت حدّتها، لا تعني بالضرورة اقتراب الحرب الشاملة، بقدر ما تعكس إدارة محسوبة لحافة التصعيد والردع المتبادل. ومن هذا المنطلق، لا يسعى هذا المقال إلى مجاراة العناوين الساخنة، بل إلى تفكيك الخيارات الفعلية المطروحة أمام إيران وحدود استخدامها في حال وقوع ضربة أميركية محتملة.

 

معتز فخرالدين

مقدمة: السياق العام للصراع

في كل مرة يطفو فيها احتمال توجيه ضربة عسكرية أميركية لإيران، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة: كيف يمكن لطهران أن ترد؟

غير أن هذا السؤال، على أهميته، يظل ناقصًا إن لم يُطرح ضمن سياقه الأوسع. فالدول، ولا سيما تلك التي تمتلك شبكة نفوذ إقليمي وأدوات متعددة، لا تتعامل مع الضربات العسكرية بوصفها أحداثًا معزولة، بل كحلقة في مسار صراع طويل تُدار فيه الرسائل السياسية بقدر ما تُدار فيه المواجهات الميدانية.

من هنا، يصبح فهم خيارات الرد الإيراني مرتبطًا بحدود التصعيد التي تسعى طهران إلى عدم تجاوزها، أكثر من ارتباطه بالرغبة في إظهار القوة بحد ذاتها.

المعادلة الإيرانية في الرد

تتحرك إيران، في حال تعرضها لأي ضربة أميركية محتملة، ضمن معادلة دقيقة تجمع بين استعراض القدرة العسكرية والحفاظ على هامش المناورة السياسية.

فهي تدرك أن الرد المباشر الواسع قد يفتح الباب أمام مواجهة شاملة، في وقت لا يبدو أن أيًّا من الأطراف معني بتحمّل كلفتها. لذلك تميل حساباتها إلى توزيع الردود على مسارات متعددة تختلف في طبيعتها وحدّتها، لكنها تتقاطع عند هدف واحد: إعادة ضبط معادلة الردع دون كسرها.

مضيق هرمز: أداة الضغط الاستراتيجي

يبرز مضيق هرمز كأحد أهم عناصر الضغط الاستراتيجي، ليس بوصفه ممرًا بحريًا فحسب، بل كرمز لاختلال التوازن في سوق الطاقة العالمي.

غير أن استخدام هذه الورقة لا يعني إغلاق المضيق أو تعطيله الكامل، لما يحمله ذلك من تبعات اقتصادية وسياسية قد تنعكس سلبًا على إيران نفسها.

الأرجح أن يُوظَّف المضيق ضمن سياسة ضغط تدريجية عبر: تهديد الملاحة - رفع كلفة التأمين

تنفيذ عمليات محدودة يصعب تحديد الجهة المسؤولة عنها وفي هذه الحالة، لا تكون الرسالة موجّهة إلى واشنطن وحدها، بل إلى أوروبا أيضًا، التي ما تزال هشاشتها في ملف الطاقة تجعلها أكثر تأثرًا بأي اضطراب في الإمدادات.

أدوات النفوذ الإقليمي

إلى جانب ذلك، تمتلك إيران شبكة واسعة من الأدوات الإقليمية التي تتيح لها توسيع نطاق الرد دون الانخراط في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.

هذا النمط من السلوك، الذي راكمته طهران عبر سنوات، يمنحها قدرة على توزيع كلفة التصعيد جغرافيًا وسياسيًا.

ففي اليمن، يمكن للضغط على خطوط الملاحة أن يرفع منسوب القلق لدى دول الخليج.

وفي العراق، يمكن التأثير على الوجود الأميركي ضمن هامش واسع من الإنكار السياسي.

أما لبنان، فيبقى ورقة ردع كبرى ذات تأثير استراتيجي، لكنها في الوقت نفسه عالية الكلفة، ما يجعل استخدامها خاضعًا لحسابات دقيقة تتجاوز منطق الرد الآني.

التأثير المباشر على المصالح الأميركية وإسرائيل

يبقى خيار التأثير المباشر على المصالح أو القواعد الأميركية مطروحًا، لكنه محفوف بالمخاطر.

فإن حصل، سيكون على الأرجح محدودًا ومدروسًا من حيث التوقيت والحجم، بما يسمح بتوجيه رسالة ردع واضحة دون الذهاب إلى مواجهة مفتوحة.

أما بالنسبة لإسرائيل، فالحساسية أكبر.

فأي استهداف مباشر لها قد يؤدي إلى توسيع رقعة الصراع بشكل يصعب ضبطه، نظرًا لقدرتها على استدعاء تدخل أميركي أوسع.

لذلك، إن جرى استخدام هذه الورقة، فمن المرجح أن يكون عبر قنوات غير مباشرة أو بأساليب تتيح الحفاظ على قدر من الغموض.

الدور السياسي والدبلوماسي

على المستوى السياسي، لا تعوّل طهران كثيرًا على المسار الدبلوماسي التقليدي، خصوصًا عبر مجلس الأمن حيث الفيتو الأميركي حاضر مسبقًا.

ومع ذلك، يبقى تحريك هذا المسار مفيدًا من زاوية:

تسجيل الموقف القانوني

تثبيت الرواية السياسية

كسب هامش حركة أوسع دوليًا

حتى وإن لم يفضِ ذلك إلى نتائج عملية مباشرة.

الحرب السيبرانية والإعلامية

تبرز الحرب السيبرانية والإعلامية كساحة متقدمة في أي مواجهة محتملة.

فهذا النوع من الأدوات يتيح لإيران التأثير على بنى تحتية رقمية واقتصادية حساسة دون إعلان مسؤولية مباشرة.

كما تلعب الهجمات السيبرانية وحروب السرديات دورًا مهمًا في:

التأثير على الرأي العام - إرباك الخصوم

تهيئة البيئة السياسية والنفسية لأي تصعيد لاحق وفي السياق العربي، قد تظهر آثار هذه الحرب في شكل اضطرابات خدمية أو اقتصادية، لا في صورة مواجهة عسكرية مباشرة.

الخاتمة: معادلة الردع والتحكم في التصعيد

في المحصلة، لا يمكن فهم الرد الإيراني المحتمل على أي ضربة أميركية بمعزل عن هذه الصورة المركبة.

فالمسألة لا تتعلق بالقدرة على الرد بقدر ما تتعلق بكيفية استخدام هذه القدرة ضمن حدود محسوبة. وبين الرغبة في الحفاظ على الردع والخشية من فقدان السيطرة، تتحرك إيران وخصومها في مساحة رمادية تُدار فيها الصراعات على مراحل وبأدوات متنوعة.

ومن هنا، تبدو الاستراتيجية الأرجح، إن وقع التصعيد، قائمة على إطالة أمد الضغط وتوزيع الردود بدل الذهاب إلى مواجهة شاملة لا تخدم مصالح الأطراف الرئيسة، وإن بقي هذا الاحتمال قائمًا في منطقة لم تغادرها الأزمات يومًا.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment