عادل ياسين
لم يكن مستغربًا أن تجدّد إسرائيل عدوانها على قطاع غزة مرة أخرى، في مشهد يجسّد رغبتها المستمرة في سفك المزيد من الدم الفلسطيني، دون حاجة إلى تقديم مبررات، في ظل شعورها بأنها باتت قادرة على انتهاك القوانين الدولية والإنسانية وتجاوز الخطوط الحمراء دون دفع ثمن سياسي أو اقتصادي، مستفيدة من صمت المجتمع الدولي، وضعف الموقف العربي، وغضّ الطرف الأمريكي الذي منحها هامشًا واسعًا للمناورة والاستمرار في عدوانها.
إن ما شهدته غزة خلال الفترة الماضية، بين محاولات استعادة بعض معالم الحياة بطرق بدائية، وبين استمرار الاعتداءات الإسرائيلية التي أدت إلى ارتقاء عشرات الشهداء خلال ساعات محدودة، يعكس نموذجًا واضحًا لصراع الإرادات؛ بين شعب يسعى بكل ما أوتي من قوة إلى التمسك بالحياة وانتزاعها ممن أرادوا له الموت، وبين حكومة يمينية ترى في القتل والدمار والتهجير وسائل فعّالة لتحقيق أهدافها السياسية والأيديولوجية.
ولا يمكن الفصل بين التصعيد الإسرائيلي الأخير والأنباء التي تحدّثت عن إعادة فتح معبر رفح، إذ يبدو أن هذا التصعيد يشكّل خطوة استباقية تهدف إلى تحقيق عدة أهداف، أبرزها:
أولًا: تنغيص فرحة الفلسطينيين بإعادة فتح معبر رفح، وما يحمله ذلك من دلالات على اقتراب انتهاء الحرب وعودة الحياة بشكل شبه طبيعي.
ثانيًا: استخدام التصعيد كوسيلة تخويف لردع الراغبين في العودة إلى غزة، من خلال رسم صورة دموية وسوداوية لمستقبل القطاع، والتأكيد على أن حكومة اليمين لن تسمح بإعادة إعماره.
ثالثًا: تفادي، أو الحد من، الانتقادات الموجّهة لحكومة اليمين المتطرف من قبل أحزاب المعارضة، التي ستسعى إلى استثمار موافقتها على إعادة فتح معبر رفح للتأكيد على فشلها، لا سيما بعد إصرارها طوال فترة طويلة على منع فتحه إلا باتجاه واحد.
رابعًا: امتصاص غضب جمهور اليمين ومحاولة إقناعه بأن الحرب على غزة لم تنتهِ، وأن الحكومة لا تزال متمسكة برؤيتها القائمة على تهجير سكان القطاع وإزالته عن الوجود لإقامة مدينة يهودية على أنقاضه.
خامسًا: تعويض خسارتها لإحدى أهم وسائل الضغط التي كانت تستخدمها ضد غزة، خاصة أن موافقتها على إعادة فتح معبر رفح تمثل تنازلًا إضافيًا، بعد اضطرارها للتراجع عن إدارة ملف المساعدات الإنسانية.
سادسًا: محاولة استثمار سفك الدم الفلسطيني في سياق الحملة الانتخابية التي باتت تحتدم تدريجيًا، في ظل إدراك متزايد لدى السياسيين بأن التصعيد العسكري يشكّل وسيلة مؤثرة لكسب أصوات الناخبين، وهو ما يعيد إلى الأذهان تصريحات سابقة لقيادات سياسية وعسكرية إسرائيلية تباهت بدورها في قتل الفلسطينيين، كما حدث عندما تفاخر بني غانتس بمسؤوليته عن قتل 1500 فلسطيني خلال حرب عام 2014، وغيرها من المحطات التي تحوّل فيها القتل إلى رصيد سياسي داخلي.
وفي المحصلة، يكشف المشهد الراهن أن العدوان لم يعد مرتبطًا باعتبارات أمنية، بقدر ما أصبح أداة سياسية تُستخدم لإدارة الأزمات الداخلية، ولو كان الثمن مزيدًا من الدم الفلسطيني.
وفي الخلاصة، تؤكد التطورات الأخيرة أن العدوان على غزة بات جزءًا من استراتيجية سياسية متكاملة، تُدار من خلالها الأزمات الداخلية، في ظل غياب رادع دولي فعّال.












01/31/2026 - 17:57 PM





Comments