كتب عروة سامي عواد
تدخل إيران اليوم واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخها الإقليمي، في ظل تزايد الضغوط الداخلية الخانقة مع تصعيد خارجي غير مسبوق في نبرته، تقوده الولايات المتحدة عبر تهديدات صريحة بتوجيه ضربة عسكرية ( أشد وأقسى ) من أي مواجهة سابقة. وهذا المناخ لا يعكس عن جولة جديدة من التصعيد الخطابي فحسب، بل يؤشر إلى تحول في قواعد الاشتباك المحتملة، ويضع السياسة الإيرانية الإقليمية أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرتها على الصمود، والمناورة، وإعادة ضبط أدوات النفوذ.
في هذا السياق، يصبح تحليل الوضع العسكري والجيوسياسي الإيراني ضرورة لفهم كيفية تكيّف طهران مع مرحلة تتسم بارتفاع كلفة الخطأ، وتقلص هامش الحركة لديها، وتزايد احتمالات الانزلاق إلى مواجهة واسعة، سواء مباشرة أو عبر ساحات الوكلاء.
بين الخطاب السياسي المتصاعد في واشنطن، والضغوط المتراكمة داخل إيران، تتحول المعادلة من سجال دبلوماسي إلى سؤال جوهري حول أدوات القوة وحدود استخدامها. فقبل الخوض في تفاصيل المشهد الجيوسياسي الأوسع، يصبح من الضروري تفكيك البنية العسكرية الإيرانية نفسها، باعتبارها الإطار الذي تتحرك ضمنه طهران في إدارة الردع، وبناء النفوذ، والتعامل مع التهديدات الخارجية.
أولاً: البنية العسكرية الإيرانية بين الردع والهجوم غير المباشر
حيث تعتمد القوة العسكرية الإيرانية على نموذج مركّب يجمع بين الجيش النظامي والحرس الثوري الإيراني، مع أولوية واضحة للأخير في الملفات الإقليمية. فالحرس الثوري، ولا سيما ( فيلق القدس )، يشكل الأداة الأساسية لإدارة النفوذ خارج الحدود، من خلال الدعم العسكري واللوجستي لشبكات حليفة في عدة دول عربية. ورغم أن إيران لا تمتلك تفوقاً جوياً أو بحرياً تقليدياً مقارنة بالقوى الغربية، فإنها استثمرت بكثافة في تطوير قدرات بديلة، أبرزها:
- ترسانة صاروخية متوسطة وبعيدة المدى تشكل ركيزة أساسية في عقيدة الردع.
- الطائرات المسيّرة، التي أصبحت أداة منخفضة الكلفة وعالية التأثير في النزاعات الإقليمية.
- الحرب غير المتكافئة، عبر وكلاء محليين قادرين على استنزاف الخصوم دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة.
غير أن هذه القدرات تواجه تحديات حقيقية، في مقدمتها العقوبات الاقتصادية الخانقة، والضغوط الاجتماعية الداخلية، وتآكل الموارد، ما يفرض على طهران إدارة دقيقة للتوازن بين الداخل والخارج.
ثانياً: المشهد الجيوسياسي المحيط بإيران
تتحرك إيران في بيئة إقليمية ودولية معقدة، تتداخل فيها صراعات النفوذ مع حسابات القوى الكبرى. فمن جهة، تواجه طهران عداءً مستمراً من الولايات المتحدة وحلفائها، يتمثل في العقوبات، والضغوط الدبلوماسية، والوجود العسكري في الخليج. ومن جهة أخرى، تحاول موازنة هذا الضغط عبر شراكات استراتيجية مع روسيا والصين، مستفيدة من التحولات في النظام الدولي وتراجع الهيمنة الأحادية.
تنظر إيران إقليمياً إلى الشرق الأوسط كساحة دفاع متقدم، حيث ترى أن أمنها القومي يبدأ خارج حدودها. و يدفعها هذا التصور إلى الانخراط العميق في أزمات المنطقة، سواء بدافع منع خصومها من تطويقها، أو بهدف تعزيز مكانتها كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها في أي تسوية مستقبلية.
ثالثاً: أنماط التدخل الإيراني في دول المنطقة
-1 العراق: النفوذ عبر الدولة والميليشيا
في العراق، نجحت إيران في بناء نفوذ متعدد المستويات، يشمل العلاقات مع مؤسسات رسمية، ودعماً مباشراً لفصائل مسلحة. هذا النفوذ مكّن طهران من لعب دور مؤثر في القرار السياسي والأمني العراقي، لكنه في الوقت نفسه أثار ردود فعل داخلية متزايدة، ترى في هذا التدخل مساساً بالسيادة الوطنية.
-2 سوريا: العمق الاستراتيجي والخط الأمامي
تُعد الساحة السورية حجر الزاوية في الاستراتيجية الإقليمية الإيرانية. فمن خلال دعمها العسكري للنظام السوري، ضمنت طهران الحفاظ على ممر بري يربطها بلبنان، ويعزز حضورها على مقربة من إسرائيل. إلا أن هذا الوجود قد انتهى بعد سقوط نظام الأسد وأصبحت إيران تحاول التدخل المستتر عبر طرق غير مباشرة ولكنها ليست بفعالية كما كانت أيام نظام الأسد البائد بالإضافة للضغوط الاقتصادية المتزايدة على طهران والتي أشعلت حراكاً شعبياً كبيراً لم ينطفى بشكل كامل حتى الآن مما جعلها تتجه بنقل ثقلها نحو العراق.
-3 لبنان: والذي تعتبره إيران نموذج الوكيل الاستراتيجي
حيث يمثل ( حزب الله ) النموذج الأوضح لاستراتيجية الوكلاء الإيرانية ويعد ورقة سياسية إقليمية تستخدمها طهران كقفازات لها في حسابات التفاوض والتصعيد مع الولايات المتحدة الأميركية واسرائيل. غير أن هذا الدور يضع لبنان في قلب صراعات إقليمية تتجاوز قدرته على التحمل وتؤثر عليه سلباً بشكل دراماتيكي.
-4 اليمن والبحر الأحمر
رغم اختلاف السياقات، يظهر النمط نفسه في اليمن، حيث تستخدم إيران الدعم المحدود منخفض الكلفة لتعزيز نفوذ استراتيجي في خاصرة الخليج والممرات البحرية الدولية، دون الانخراط المباشر في حرب شاملة. غير أن جهود المملكة العربية السعودية في تطويق هذا الأمر قد نجحت إلى حد كبير في تطويق الأطماع الإيرانية في اليمن
رابعاً: التهديدات الأمريكية وحدود الردع الإيراني
تأتي التهديدات الأمريكية الأخيرة بتوجيه ضربة عسكرية أكثر شدة واتساعاً لإيران في سياق يتجاوز الردع التقليدي، ليحمل رسائل استراتيجية متعددة المستويات. فواشنطن لا تسعى فقط إلى كبح البرنامج النووي الإيراني أو تقليص نفوذ طهران الإقليمي، بل إلى إعادة فرض معادلة ردع قسرية تُجبر النظام الإيراني على إعادة حساب كلفة استمرار انخراطه الخارجي في دول منطقة الشرق الأوسط في محاولة منه لإلهاء و تشتيت جهود القوى الكبرى عن برنامجه النووي.
تمثل هذه التهديدات تحدياً مركباً بالنسبة لإيران. فالمواجهة العسكرية المباشرة مع الولايات المتحدة تظل خياراً بالغ الخطورة، نظراً لاختلال ميزان القوة التقليدي، والتداعيات الاقتصادية والسياسية التي قد تهدد استقرار الداخل الإيراني. في المقابل، فإن التراجع الواضح أو الانكفاء السريع سيُفسَّر إقليمياً على أنه كسر لمنطق الردع الذي بنت عليه طهران نفوذها خلال العقدين الماضيين.
وعليه، يُرجَّح أن تتجه إيران إلى تشديد اعتمادها على استراتيجية الرد غير المباشر، عبر رفع منسوب الجاهزية لدى حلفائها الإقليميين، وتعزيز القدرات النوعية بدلاً من التوسع الكمي. هذا النهج يسمح لطهران بإبقاء ساحات الاشتباك مفتوحة، ورفع كلفة أي عمل عسكري أمريكي محتمل، دون الانزلاق إلى حرب شاملة قد تكون نتائجها خارج السيطرة.
و في الوقت ذاته، تشير المؤشرات إلى أن إيران تسعى إلى ضبط إيقاع تدخلاتها، بحيث تظل ضمن عتبة ( الضغط القابل للإنكار )، أي العمل تحت مستوى التصعيد الذي يستدعي رداً أمريكياً مباشراً، مع الاحتفاظ بقدرة على التصعيد السريع إذا ما فُرضت عليها المواجهة.
خامساً: محددات مستقبل التدخلات الإيرانية
يشير المسار الحالي إلى أن تدخلات إيران ستظل محكومة بثلاثة محددات رئيسية:
-1القدرة الاقتصادية: فكلما اشتدت العقوبات وتراجعت الموارد، زادت حاجة طهران إلى تقليص النفقات أو إعادة ترتيب الأولويات.
-2 ميزان الردع الإقليمي: أي تصعيد مباشر مع الولايات المتحدة أو إسرائيل قد يدفع إيران إلى الاعتماد بشكل أكبر على الوكلاء، بدلاً من المواجهة المفتوحة.
-3الاستقرار الداخلي: الضغوط الاجتماعية والاقتصادية داخل إيران قد تفرض على القيادة إعادة النظر في كلفة الانخراط الخارجي.
سادساً: سيناريوهات محتملة للمسار الإقليمي
في ضوء المعطيات العسكرية والجيوسياسية الراهنة، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمسار الدور الإيراني في المنطقة خلال المدى القريب والمتوسط:
السيناريو الأول الاحتواء المتوتر: يقوم على استمرار التهديدات الأمريكية دون ترجمتها إلى عمل عسكري مباشر، مقابل التزام إيراني بضبط إيقاع وكلائها وتجنب التصعيد الكبير. في هذا السيناريو، تحافظ طهران على نفوذها الحالي مع تعديل تكتيكي في الأدوات، بينما تبقى المنطقة في حالة توتر مزمن دون انفجار شامل.
أما السيناريو الثاني فهو التصعيد غير المباشر: ففي حال تصاعد الخطاب الأمريكي أو تنفيذ ضربات محدودة، قد تلجأ إيران إلى تفعيل أوراقها الإقليمية بشكل أوسع، عبر زيادة الضغط على المصالح الأمريكية وحلفائها باستخدام الوكلاء، مع الحرص على البقاء دون عتبة الحرب المفتوحة. هذا السيناريو يرفع منسوب المخاطر لكنه يبقى ضمن منطق إدارة الصراع لا حسمه.
السيناريو الثالث وهو الانكفاء النسبي: هو الأقل احتمالاً لكنه يظل وارداً في حال تفاقمت الضغوط الاقتصادية أو الداخلية داخل إيران. عندها قد تعمد القيادة إلى تقليص بعض أدوارها الخارجية والتركيز على حماية العمق الداخلي، دون التخلي الكامل عن نفوذها الإقليمي.
وفي المحصلة، تقف إيران عند مفترق طرق دقيق جداً بين الاستمرار في إدارة نفوذ إقليمي واسع بأدوات غير مباشرة، وبين مواجهة واقع دولي أكثر صرامة يسعى إلى إعادة رسم حدود هذا النفوذ بالقوة أو بالضغط المركّب. ومع تصاعد التهديدات الأمريكية واحتمالات الانتقال من الردع الكلامي إلى الفعل العسكري، يبقى السؤال مفتوحاً:
هل تستطيع طهران الحفاظ على معادلة الردع الإقليمي دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة قد تقوّض مكتسباتها، أم أن مرحلة جديدة من الصدام ستفرض إعادة تعريف شاملة لدورها وحدود تدخلها في الشرق الأوسط؟.












01/30/2026 - 17:51 PM
.jpg)




Comments