الحب الحقيقي لا يحتاج إلى استعراض، ولا يدخل الحياة بضجيج يلفت النظر. يأتي في صمت خفيف، يستقر في القلب دون استئذان، ويترك أثره قبل أن ننتبه لوجوده. لا يقلب العالم رأسًا على عقب، لكنه يغيّر طريقة رؤيتنا له؛ فجأة تصبح الأشياء حولنا أبسط، ويغدو القلق أقل حدّة، وكأن هناك من يشاركك حمل الأيام دون أن يتحدث كثيرًا عن ذلك.
في الحب، لا نشعر بالحاجة إلى أن نكون أفضل مما نحن عليه، ولا نعيش في حالة استعداد دائم. لا نمثّل، ولا نرتدي أقنعة القبول، ولا نخشى أن نُرى كما نحن. القرب هنا لا يربك، بل يطمئن، والوجود مع شخص نحبه يصبح كافيًا ليمنح الحياة معنى أكثر جمالًا وإشراقًا، وأقل توترًا.
الفلسفة الحقيقية للحب لا تقوم على الكمال، بل على الإحساس. الكمال فكرة جامدة، أما الإحساس فصادق لا يكذب. أن تجد شخصًا يفهم صمتك بقدر ما يفهم كلامك، ويحتوي تعبك دون أن يطالبك بالشرح، ويقرأ فيك ما عجزت أنت عن صياغته، فهذا ليس امتيازًا عاطفيًا، بل حالة نادرة من التفاهم الإنساني.
القرب في جوهره لا يعني الذوبان ولا فقدان الحدود. على العكس، العلاقات التي تُلغى فيها المساحات تتحول سريعًا إلى عبء؛ فالمسافة الصحية ليست خطأ، بل وعي. حين يحترم كل طرف خصوصية الآخر، تصبح العلاقة أكثر رشدًا، ويصبح الحب حالة طمأنينة، لا تعويضًا عن فراغ أو خوف من الوحدة.
الجسد في الحب لا يتحرك وحده، ولا يسبق الروح، بل يمشي معها خطوة بخطوة. هو قرب آمن، ولمسة تحمل معنى، واحتواء صامت يقول أكثر مما تقوله الكلمات؛ فحين تتآلف روحان بحق، يصبح القرب الجسدي تعبيرًا بسيطًا وصادقًا عن مشاعر عميقة لا تحتاج إلى تفسير.
ومع الوقت، نكتشف أن الانجذاب الحقيقي لا يتجه نحو من يبدو مثاليًا، بل نحو من يوفر راحتنا، من يجعل الحديث عفويًا، والضحكة بلا حساب، والسكوت مساحة آمنة لا توتر فيها ولا قلق. فالألفة الصادقة لا تُصنع بالمظاهر، بل بالثقة التي تسكن القلب.
وفي رأيي، الشخص الذي يفهمك دون مجهود، ويشاركك الحياة دون أن يثقلها، ويمنحك شعورًا بأنك لست مضطرًا للشرح طوال الوقت لتكون مقبولًا، هو هدية العمر. هذا الحب لا يغيّر شكل حياتك فحسب، بل يعيد ترتيبك من الداخل، ويجعلك أكثر هدوءًا واتزانًا وقربًا من ذاتك، وكأنك للمرة الأولى لا تبحث عن نفسك في الآخر، بل تجدها معه.
أحمد عبدالفتاح خيري
كاتب وباحث في العلاقات الإنسانية
http://www.facebook.com/ahmed.fatah.official












01/30/2026 - 16:31 PM





Comments