رشيد ج. مينا
الوطن، والمواطنة، والشباب، والحرية، وفرص التعليم والعمل… أسئلة كبرى تُطرح اليوم بإلحاح في بلدٍ دخل النفق منذ أكثر من خمسة عقود، ولا يزال يتخبّط في عتمته بحثًا عن مخرج. فأيّ حاضر يعيشه شباب لبنان؟ وأيّ مستقبل يمكن أن يُبنى في ظلّ واقعٍ صاغته الحروب والانقسامات والتدخلات والفساد؟
خمس عقود كاملة نشأت خلالها أجيال من الشباب على مشهد دائم من الصراعات، تداخل فيها الخارجي بالداخلي، واستُثمر المحلي في خدمة مشاريع الآخرين. وخلال هذه السنوات، لم تكن محاولات الخروج من النفق غائبة، لكنّها كانت تُجهض في كل مرة بفعل تلاقي مصالح الخارج مع تبعية الداخل، وبسبب طبقة سياسية جعلت من الانقسام والطائفية والفساد أدوات حكم.
من هنا يصبح السؤال مشروعًا:
لماذا يعيش معظم الشباب حالة ضياع وقلق واغتراب وطني؟
لماذا تعددت الولاءات وتراجعت الثقة بالوطن والمستقبل؟
ولماذا رأينا شبابًا لبنانيين يقاتلون في أفغانستان، ثم في الحرب الروسية–الأوكرانية، وآخرين يُزجّ بهم في حروب لا علاقة لها بلبنان، من الدفاع عن نظام طاغية إلى الالتحاق بمحاور خارجية، فيما عانى فريق آخر من بطش هذه الأنظمة ذاتها؟
من دفع الشباب اللبناني إلى هذه الخيارات؟ ومن حمّلهم أثقال صراعات لا تشبههم ولا تعبّر عن مصالحهم؟
حتى مشاركتهم في الحياة السياسية الداخلية، للأسف، غالبًا ما تنطلق من التبعية الطائفية والمذهبية أو من الحسابات المصلحية الضيقة. يظهر ذلك بوضوح في الاستحقاقات الانتخابية، حيث يتقدّم الإحجام القناعتي، أو التصويت على أساس المنفعة الآنية، على أي التزام بالبرامج والمشاريع والصدقية السياسية.
الشباب اللبناني ليس المشكلة… بل هو مرآة لواقع سياسي مأزوم.
واقع أنتجته طبقة حاكمة مارست المحاصصة والفساد لعقود، فألغت الحياة السياسية السليمة، وعطّلت الديمقراطية، ودمّرت الاقتصاد، وبدّدت فرص العمل، وغيّبت المحاسبة، وأبقت البلاد رهينة شدّ الحبال بين صراعات الداخل وانعكاسات الخارج.
في ظل هذا الواقع، لا يمكن مطالبة الشباب بالانخراط الإيجابي ولا بالالتزام الوطني الكامل، وهم محرومون من أبسط حقوقهم:
لا استقرار، لا أفق اقتصادي، لا عدالة اجتماعية، لا ثقة بالدولة، ولا خطوات جدية تؤسّس لتغيير حقيقي.
الشباب اليوم في حاجة إلى بوصلة وطنية، لا إلى شعارات.
في حاجة إلى أدوات تغيير حقيقية، لا إلى استدعاء صراعات الخارج.
في حاجة إلى استعادة الثقة والقرار والإرادة، عبر سياسات واضحة تعالج قضايا الوطن، لا أن تغرقه في حروب الآخرين.
إن ما يحتاجه الشباب اللبناني، ومعه كل اللبنانيين، هو سلام داخلي مبني على الوحدة والولاء الوطني، ووقف العدوان الصهيوني، واستعادة القرار الوطني، وبناء دولة المؤسسات، والشروع بإصلاحات جدية في بنية النظام، وعلى رأسها قانون انتخابي عادل، وإطلاق ورشة إعادة الإعمار والتنمية على كامل مساحة الوطن دون تمييز أو استنسابية.
قبل أن نسأل الشباب عن ضياعه، أو نلومه على اللامبالاة، علينا أن نخلق له الظروف التي تسمح له بأن يكون شريكًا حقيقيًا في الوطن: أن يعبّر عن ذاته، ويُطلق قدراته، ويستثمر علمه وإبداعه في بلده، كما يفعل بنجاح لافت أينما حلّ في العالم العربي والعالم.
الشباب اللبناني لم يكن يومًا خارج الوطن ولا على هامشه، بل جرى دفعه قسرًا إلى الضياع، حين سُرقت الدولة، وتعطّلت السياسة، وتحكّم الفساد والطائفية والوصايات بمصيره. فلا يُطلب من جيل نشأ في الحرب، وترعرع في الانقسام، وكبر في الانهيار، أن يكون منتِجًا للثقة فيما لم تُنتَج له دولة جديرة بالثقة.
إن استعادة الشباب تبدأ باستعادة الوطن: وطن القرار الحر، والمؤسسات الفاعلة، والقانون العادل، والاقتصاد المنتج، والتعليم الجدي، وفرص العمل الكريمة. وتبدأ بكسر منطق الزجّ باللبنانيين في صراعات الآخرين، وبتحويل طاقات الشباب من وقود حروب ومحاور إلى قوة بناء وإنقاذ.
قبل محاسبة الشباب على خياراته، يجب أن تُحاسب المنظومة التي صادرته، وقبل مطالبتهم بالإيمان بالمستقبل، يجب أن يُصنَع هذا المستقبل على أسس الوحدة والولاء الوطني والعدالة والسيادة.
الشباب اللبناني لم يفقد البوصلة… البوصلة سُرقت منه. واستعادتها مسؤولية وطن بِرُمَّته، إن أراد فعلًا أن يخرج من النفق، لا أن يورّثه للأجيال الآتية.
الشباب اللبناني لم يخفق… الدولة هي التي خذلته. وإنقاذ المستقبل يبدأ بالاعتراف بهذه الحقيقة والعمل على تغييرها.












01/30/2026 - 10:34 AM





Comments