نمر: التنبؤ الدقيق بالزلازل غير ممكن…
أبي راشد: 80% من المباني لا تطابق معايير السلامة
ربى شلهوب أبو فاضل
رغم أن لبنان ليس من بين أكثر المناطق الزلزالية في العالم، فإن موقعه الجيولوجي بين الصفائح التكونية الأفريقية والعربية يجعله عرضة لهزّات أرضية متكررة، منها ما هو محدود، ومنها ما قد يتسبب بأضرار واسعة تهدد الأرواح والممتلكات. فسجلّ التاريخ يشير إلى وقوع عدة زلازل مدمّرة أثّرت في المدن والقرى اللبنانية، وخلّفت بصمات مادية ونفسية في الذاكرة الجماعية. وخلال كانون الثاني 2026، شهدت البلاد سلسلة هزّات متفاوتة القوة، أبرزها هزّة بقوة 4.1 درجات شعر بها سكان بيروت ومناطق عدّة، إضافة إلى هزّات تراوحت بين 2.4 و3.5 درجات في البقاع والشمال وساحل الدامور، من دون تسجيل أضرار.

الخبير الجيولوجي الدكتور طوني نمر
تأثير الزلازل يختلف من منطقة لأخرى
الخبير الجيولوجي الدكتور طوني نمر أكد أن "الهزّات الصغيرة الأخيرة ظاهرة طبيعية جداً، وكانت تحدث سابقاً لكن لم يلتفت إليها أحد. أما اليوم فمزيد من المتابعة الإعلامية والشعبية جعلها تبدو أكثر إثارة للقلق". وأوضح أن "هذه الهزّات لا تشير بالضرورة إلى اقتراب زلزال كبير، فالغالبية العظمى من الزلازل الكبرى تحدث فجأة ولا يمكن التنبؤ بها مسبقاً".
وأشار إلى أن "لبنان يمر بعدة فوالق زلزالية، أبرزها اليمونة، الروم، راشيا وسرغايا، وهي متفرعة من فالق البحر الميت الذي يمتد من خليج العقبة إلى جنوب تركيا بطول نحو 1000 كم، وينقسم في لبنان إلى الفوالق المذكورة". وأضاف أن "الهزّات الأخيرة بدأت في منطقة البحر الميت، وسُجلت في لبنان خلال الأسبوعين الماضيين على فالق سرغايا، بالإضافة إلى هزّات صغيرة على الفالق الشرقي وفالق أليمونه وفوالق أخرى"، مؤكداً أن "جميع هذه الهزّات صغيرة ومتكررة وليست مثيرة للقلق".
ولفت إلى أن "تأثير الزلازل يختلف من منطقة إلى أخرى، حَسَبَ قرب الأبنية من مركز الزلزال ونوعية التربة والصخور تحت المباني". وذكّر بأن "لبنان شهد تاريخياً العديد من الزلازل الكبرى، منها زلزال 551 بين لبنان وقبرص، وزلزال 1202 على فالق اليمونة، وزلزالا 1759 على فوالق راشيا وسرغايا، وزلزال 1837 على فالق روم، وكانت شدتها تتراوح بين 6.6 و7.5 درجات". وأضاف أن مسببات الزلازل التاريخية ما زالت موجودة، ما قد يؤدي إلى حدوث زلازل مستقبلية، لكنه شدد على أن الهزّات الصغيرة الحالية تحدث بشكل طبيعي بغض النظر عن احتمال وقوع زلزال أكبر.
خطط الطوارئ ضعيفة
وأكد نمر أن "التنبؤ الدقيق بالزلازل غير ممكن، وأن أي محاولة لتحديد زمن محدد لزلزال معين ليست علمية، فالفترات بين الزلازل التاريخية تتراوح بين عقود وألف سنة". وأوضح أن "أنظمة الإنذار المبكر كما في اليابان وأميركا والمكسيك تعمل بعد بدء الزلزال، وتوفر وقتاً قصيراً للتصرف قد يصل إلى 40–50 ثانية إذا كان الزلزال بعيداً نحو 100 كم، وأن أنظمة مماثلة للتسونامي ليست معممة في البحر المتوسط حالياً".
وأشار إلى أن "خطط الطوارئ في لبنان ضعيفة وغالباً ما تكون نظرية، وأن أي خطة تحتاج إلى تنفيذ مضبوط ومتابعة دقيقة لتكون ناجعة في الحالات الطارئة". ودعا المواطنين إلى "التركيز على حياتهم اليومية والالتزام بإرشادات السلامة، بدل متابعة كل هزّة صغيرة أو نشر أخبار غير مؤكدة".
وأوضح أن "الأطفال يجب أن يتعلموا النزول تحت الطاولة، وتجنب الاقتراب من الجسور أو المباني المتضررة، مع البقاء في مكان آمن ومتابعة التعليمات الرسمية". وأضاف أن "المدارس يجب أن تدرّس سنوياً أساسيات الزلازل وسلوكيات السلامة، مع توجيه الطلاب لنقل المعلومات إلى العائلة والمجتمع، كما يجب على البلديات تقييم المباني وتحديد المناطق الأكثر عرضة، وعلى الإعلام نقل الأخبار الدقيقة لتجنب الشائعات".
أما عن الأبنية الأكثر تحملاً للزلازل، فأشار إلى أن "المباني التي شُيّدت بعد عام 2000–2005 وفق توصيات نقابة المهندسين قادرة على تحمل الزلازل المتوسطة إذا تم بناؤها وفق المواصفات، خصوصاً في المناطق الصخرية، بينما المباني الأقدم أو المبنية على تربة ضعيفة تتأثر أكثر بالهزّات، ويزداد التأثير كلما تقدم عمر البناء".

المهندس المدني الاستشاري بيار شفيق أبي راشد
80% من المباني لا تطابق معايير السلامة
بدوره، أكد المهندس المدني الاستشاري بيار شفيق أبي راشد، المتخصص في الأبنية والأشغال العامة، أن "غالبية الأبنية في لبنان غير مقاومة زلزالياً. وتشير الدراسات إلى أن نحو 80% من المباني لا تطابق معايير السلامة، خصوصاً الأبنية القديمة أو المشيدة دون رقابة فعلية"، واصفاً بعضها بأنها "قنابل موقوتة" بسبب ضعف التصميم والتنفيذ والمواد المستخدمة.
وأوضح أن "إدراج معايير مقاومة الزلازل بدأ عام 2004، وتطبيقها الفعلي انطلق بعد مرسوم السلامة العامة عام 2012 وتوسع تدريجياً حتى 2016، إلا أن ضعف الرقابة والغش في المواد يجعل سلامة الأبنية الحديثة غير مضمونة". وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن أقل من 20% من العمران بُني وفق المعايير الكاملة. وأكد أن "لبنان يقع على فوالق نشطة، وقد شهد تاريخياً زلزالاً قوياً بلغت شدته نحو 7.2 درجات، وتظهر الدراسات الحديثة احتمال تعرض بعض المناطق لتسارع أرضي يصل إلى أكثر من 0.25g، ما قد يسبب أضراراً جسيمة للأبنية الضعيفة".
الوعي العلمي أهم من الهلع
وفي ما يتعلق بقدرة البنى التحتية العامة، أوضح أبي راشد أن "الجهات الرسمية لا تنشر بيانات دقيقة حول مدى مقاومتها للزلازل، إلا أن آراء خبراء تجمع على ضعف تحصينها، لا سيما البنى التحتية القديمة أو غير المحسّنة، إضافة إلى وجود ثغَر في جهوزية بعض المستشفيات والمرافق الحيوية، سواء على مستوى خطط الطوارئ أو القدرة التشغيلية".
وأشار إلى أنه "في حال وقوع زلزال متوسط (نحو 6 درجات)، قد تصمد الأبنية الحديثة بعد عام 2012 مع أضرار جزئية، فيما تبقى الأبنية القديمة أو غير الخاضعة للرقابة عرضة لأضرار كبيرة أو انهيارات جزئية. أما زلزال قوي يتجاوز 7 درجات، فيتوقع معه دمار واسع وتعطل كبير للبنى التحتية الحيوية مثل المستشفيات والطرق والاتصالات".
ونصح بفحص المباني مع مهندس إنشائي، وإجراء الصيانة الدورية، وتثبيت الأثاث الثقيل، وتأمين نقاط الاحتماء، والتعرف إلى سلوكيات السلامة مثل Drop–Cover–Hold، والمطالبة بتطبيق الكودات الهندسية بشكل فعلي، ودعم برامج تقييم الأبنية القديمة والبنى التحتية، إضافة إلى تعزيز التوعية والتدريب على الحماية والإخلاء في المدارس والجامعات، بالتعاون مع البلديات وتحديد مراكز للتجمع والإيواء.
وختم أبي راشد حديثه بالقول: "الوعي العلمي أهم من الهلع، فالمعرفة المبنية على أرقام حقيقية تعزز فرص السلامة، في حين أن الشائعات وتوقعات الزلازل غير الدقيقة تزيد القلق بلا فائدة".












01/30/2026 - 10:05 AM





Comments