أين العرب من لحظة تقرير المصير؟

01/29/2026 - 15:49 PM

secureaisystems

 

 

 

 

رشيد ج. مينا

في مواجهة الأخطار الوجودية والتحديات المصيرية التي تهدد وطنًا أو أمة، يفترض المنطق البديهي أن تكون المبادرة هي الخيار الأول: التحرك، وتوحيد الجهود والطاقات، وتجاوز الخلافات الثانوية أمام ما يهدد الهوية والوجود. هكذا تقول سنن التاريخ، وهكذا تُعلّمنا تجارب الأمم. لكن واقعنا العربي يسير في الاتجاه المعاكس تمامًا.

فالجميع يتحدث عن المخطط الصهيوني التوسعي، وعن الاستراتيجية الأميركية للهيمنة والسيطرة، وعن الصراعات الدولية والإقليمية، وعن خرائط جديدة وتقسيمات وتقاسم نفوذ… وكأن مصائر أوطاننا تُرسم في غرف مغلقة بغيابنا الكامل. ننتظر ما يقرره الآخرون وما يتوافقون عليه، وكأن شعوب هذه المنطقة وقياداتها بلا إرادة، ولا قدرة، ولا مشروع.

أي واقع هذا؟ وأي مصير يقودنا إليه هذا العجز الجماعي؟

هل هو ضعف؟

أم استسلام؟

أم يأس وفقدان للأمل؟

أم تسليم كامل بأن الآخرين يحددون لنا من نكون، وأين نقف، وماذا نملك، وما الذي يُسمح لنا به؟

السؤال الحقيقي الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس: ماذا يريد الآخرون؟

بل: ماذا نريد نحن؟

ما هي مصالحنا؟

ما هي قدراتنا؟

كيف نستعيد حقوقنا؟ وكيف نمسك بناصية مستقبلنا؟

سواء كنّا لبنانيين، أو سوريين، أو فلسطينيين، أو عراقيين، أو يمنيين، أو خليجيين، أو مصريين، أو مغاربة، أو سودانيين… فنحن أبناء اثنتين وعشرين دولة عربية، يفترض أن تجمعها جامعة الدول العربية.

إن أخطر ما نعيشه اليوم ليس حجم المخاطر الخارجية، بل غياب الإرادة العربية الجماعية في مواجهتها. فالأمم ما تسقط فقط حين تُهزم عسكريًا، بل حين تفقد القدرة على المبادرة، وعلى طرح الأسئلة الكبرى، وعلى صياغة مشروعها بنفسها. وما نشهده اليوم هو انتقال خطير من موقع الشراكة في صنع التاريخ إلى موقع المفعول به، ومن موقع القرار إلى موقع الانتظار.

إن ترك مصايِر أوطاننا تُناقش وتُرسم في العواصم وغرف الاستخبارات، فيما نقف متفرجين منقسمين، ليس قدرًا، بل خيارًا قاتلًا. خيار الصمت، والتذرّع بالعجز، والاحتماء بالاصطفافات الضيقة، هو في ذاته مشاركة غير مباشرة في ما يُحضّر لنا.

لقد آن الأوان للخروج من وهم أن الوقت يعمل لمصلحتنا. فالوقت يعمل ضد من لا يملك مشروعًا، وضد من يكتفي بردود الفعل، وضد من يراهن على الآخرين لحمايته أو إنقاذه.

إن ما نحتاجه اليوم ليس شعارات قومية جديدة، ولا بيانات إدانة، بل قرارًا عربيًا واعيًا يعيد تعريف المصالح، ويستثمر ما نملكه من قدرات بشرية واقتصادية وثقافية، ويضع حدًا للتفكك الذي يجعل كل كيان فريسة سهلة.

فالخطر الذي يتهدد المنطقة اليوم لا يطال نظامًا هنا أو كيانًا هناك، بل يطال الهوية والدور والمستقبل. ولا يمكن مواجهته بالشعارات ولا بالخطابات المنفردة، بل بمشروع حضاري عربي واضح، يستعيد الثقة بالذات، ويعيد الاعتبار لإرادة الشعوب، ويضع مصالح الأمة فوق حسابات الأنظمة الضيقة.

فالمعركة المطروحة ليست معركة حدود فقط، بل معركة هوية ووجود ومستقبل. وإما أن نستعيد موقعنا كفاعلين في رسم مصيرنا،

أو نسلّم، جيلًا بعد جيل، أوطاننا وكرامتنا ومستقبل أبنائنا لمن لا يرون فينا سوى ساحات وممرات وأوراق تفاوض. وهنا لا يعود السؤال: ماذا يفعل الآخرون بنا؟

بل السؤال الأخطر: ماذا سنفعل بأنفسنا… ومتى؟

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment