تضارب المصالح… تهديد صامت للنزاهة والثقة في المؤسسات

01/29/2026 - 15:40 PM

Prestige Jewelry

 

 

بقلم فادي زواد السمردلي

#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال

المقال يصوّر حالة عامة، وأي تشابه عرضي مع أشخاص أو وقائع حقيقية غير مقصود.

يُعرَّف تضارب المصالح ببساطة بأنه الحالة التي يُكلَّف فيها شخص بخدمة الصالح العام، بينما تكون قراراته مرهونة بمصالحه الخاصة. وهو وضع غير أخلاقي يحوّل المنصب من مسؤولية لخدمة المجتمع إلى أداة لتحقيق المنفعة الشخصية. ولا تكمن خطورته في نتائجه فحسب، بل في كونه يُمارَس غالبًا تحت غطاء “القانون” أو “الاجتهاد الإداري”، وكأن الانحياز يصبح مقبولًا ما دام لا يُعلَن صراحة. والحقيقة أن تضارب المصالح هو البوابة الأكثر شيوعًا للفساد المقنّع، والعذر الأضعف لتبرير قرارات غير عادلة.

وتزداد خطورة تضارب المصالح عندما يُطبَّع داخل المؤسسات، ويُنظر إليه كأمر “طبيعي” أو “لا مفر منه”. عندها تتحول المؤسسة إلى مساحة مغلقة تحكمها العلاقات لا القوانين، والمصالح لا الكفاءة. ويصبح السؤال: من هو الأقرب؟ من يملك النفوذ؟ ومن يستطيع تمرير القرار؟ وفي تلك اللحظة، تسقط كل الشعارات عن النزاهة والشفافية، وتتحول إلى لافتات بلا مضمون.

الضرر الحقيقي لا يقع على ضحاياه المباشرين فقط، بل على فكرة العدالة نفسها. فعندما يرى المواطن أو الموظف أن القرارات تُفصَّل على مقاس أشخاص بعينهم، يفقد إيمانه بأن الجهد والكفاءة طريق للإنصاف. ويحلّ مكان هذا الإيمان شعور بالإحباط واللاجدوى، وقد يتطور إلى قناعة بأن الالتفاف على النظام هو السبيل الوحيد للبقاء. وهكذا، لا ينتج تضارب المصالح فسادًا إداريًا فقط، بل مجتمعًا فاقدًا للثقة، متصالحًا مع الظلم، ومهيّأً لتكرار الانتهاكات.

الأخطر أن تضارب المصالح غالبًا ما يُدار بصمت متواطئ. فالقادرون على كشفه يصمتون، إما خوفًا من العواقب، أو يأسًا من التغيير، أو لأنهم جزء من المنظومة نفسها. وتُترك المؤسسات بلا محاسبة حقيقية، بينما يُطلب من الجمهور تصديق روايات عن النزاهة والانضباط. وهذا الصمت لا يقل خطورة عن الفعل ذاته، لأنه يسمح بتجذّر السلوك الخاطئ وتحوله إلى قاعدة غير مكتوبة تحكم القرارات والممارسات.

وفي القطاعات الحساسة، يصبح تضارب المصالح جريمة أخلاقية مكتملة الأركان تهدد أسس الثقة المجتمعية. فالضرر هنا واسع الأثر، يطال وعي الناس، وعدالة الأحكام، ومصداقية المعرفة.

أما الحديث عن مكافحة تضارب المصالح دون إجراءات حقيقية، فليس سوى خطاب تجميلي. فلا جدوى من لوائح لا تُطبَّق، ولا من قوانين تُستثنى منها النخب، ولا من شعارات تُستخدم لتلميع الصورة. المطلوب هو مساءلة فعلية، وإفصاح إلزامي، وحماية حقيقية لمن يكشفون التجاوزات، قبل أن تتحول المؤسسات إلى كيانات مغلقة لا تخضع إلا لمصالح القلة المتحكمة فيها.

في النهاية، تضارب المصالح ليس خطأ إداريًا عابرًا، بل انحرافًا أخلاقيًا خطيرًا. وإذا استمر التساهل معه، فلن تكون الخسارة في قرار أو منصب، بل في الثقة العامة ذاتها. فالمجتمعات لا تنهار فجأة، بل تتآكل ببطء حين يصبح الظلم مقبولًا، والانحياز مبررًا، والنزاهة استثناءً نادرًا. ومتى فُقدت الثقة، لن تُجدي أي إصلاحات شكلية في إنقاذ ما تبقى.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment