بقلم د. محمد نصار
شهد العصر الحديث تحولا جذريا في طبيعة الصراعات والحروب، حيث لم تعد المواجهات العسكرية المباشرة هي السمة الوحيدة للنزاعات الدولية والإقليمية ، لقد برزت حرب المعلومات، وتحديدا تكنولوجيا حرب الشائعات، كأداة استراتيجية فعالة تستهدف زعزعة استقرار الدول والمجتمعات من الداخل ، تستغل هذه الحرب نقاط الضعف الاجتماعية والسياسية والثقافية، مستخدمة المنصات الرقمية لإنتاج ونشر معلومات مضللة ومفبركة بهدف تدمير الثقة، وتفكيك النسيج الاجتماعي، وفي نهاية المطاف، إضعاف الحكومات وقدراتها الوطنية ، تواجه الدول العربية تحديات جسيمة في مواجهة هذا النوع الجديد من التهديدات، مما يستدعي تحليلا معمقا لآليات عمل هذه الحرب وأوجه القصور في استراتيجيات الوقاية العربية.
تعتمد تكنولوجيا حرب الشائعات على السرعة الهائلة والانتشار الواسع الذي توفره وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت ، إنها ليست مجرد قصص كاذبة عابرة، بل هي حملات منظمة تستخدم خوارزميات معقدة لاستهداف شرائح مجتمعية محددة بدقة، بناءً على بيانات ديموغرافية ونفسية يتم جمعها وتحليلها ، يكمن جوهر الخطر في قدرة هذه التكنولوجيا على خلق "واقع موازٍ" لدى الجمهور، حيث تتآكل الثقة في المؤسسات الرسمية، مثل الإعلام الحكومي والجيش والأجهزة الأمنية والقضاء، فعندما يشكك المواطن في مصداقية مصدر المعلومة الرسمي، يصبح عرضة لتبني السرديات المعادية التي تروج لها أجندات خارجية أو داخلية معادية.
لقد ظهرت أمثلة واضحة لتأثير هذه الحروب في المنطقة العربية ، ففي سياق الاضطرابات التي شهدتها عدة دول، لعبت الشائعات الموجهة دورا محوريا في تأجيج التوترات الطائفية والعرقية ، على سبيل المثال، يتم تداول أخبار ملفقة عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان أو عن فساد هائل على نطاق واسع، يتم تصميمها لتبدو وكأنها حقائق موثقة عبر استخدام تقنيات التزييف العميق أو تضخيم الأحداث الجزئية لتصوير صورة كارثية عامة. الهدف النهائي هو تحقيق ما يعرف بـ "الإرباك الاستراتيجي"، حيث تصبح قدرة الدولة على اتخاذ قرارات رشيدة وغير مشتتة أمرا صعبا ، مما يؤدي إلى شل مؤسساتها.
إن تدمير القدرات الوطنية لا يقتصر على الجانب السياسي والأمني فحسب، بل يمتد ليشمل القدرات الاقتصادية والبنية التحتية المعرفية ، يمكن لشائعة واحدة مدبرة حول انهيار وشيك لأحد البنوك المركزية، أو سوء إدارة لأزمة صحية عامة، أن تتسبب في موجات سحب جماعي للأموال أو رفض للإجراءات الوقائية الصحية، مما يخلق أزمات حقيقية تنبع أساسًا من الوهم المعلوماتي، إن استهداف الكفاءات العلمية والتقنية من خلال التشهير أو تقديم عروض مغرية للخروج من البلاد يمثل استنزافًا مباشرًا لرأس المال البشري اللازم لتحقيق التنمية المستدامة.
أما فيما يخص قدرات الدول العربية للوقاية من هذا التهديد، فإن المشهد يظهر تباينات كبيرة ومكامن ضعف واضحة ، أحد أبرز أوجه القصور هو بطء الاستجابة المؤسسية، فبينما تنتشر الشائعة كالنار في الهشيم خلال ساعات، قد تستغرق جهود التصحيح والتفنيد أياما أو أسابيع، وفي كثير من الأحيان، لا تصل الرسالة التصحيحية إلى نفس الجَمهور الذي استقبل الشائعة الأصلية ، هذا الفارق الزمني يمنح السردية الكاذبة فرصة لتثبيت نفسها في الوعي الجمعي.
بالإضافة إلى ذلك، لا يزال هناك ضعف في تطوير بنية تحتية معرفية قوية تعزز "المناعة المجتمعية" ضد التضليل ، هذا يتطلب استثمارًا حقيقيا في محو الأمية الإعلامية والرقمية عبر المناهج التعليمية، لتعليم الأجيال الجديدة كيفية التمييز بين المصادر الموثوقة والمحتوى المضلل، أغلب الجهود العربية في هذا المجال تظل محدودة أو تركز على الجانب التقني للأمن السيبراني بدلًا من التركيز على العنصر البشري المتلقي للمعلومة.
كما أن التعاون بين المؤسسات الحكومية وشركات التكنولوجيا الكبرى لتحديد وإزالة المحتوى الضار لا يزال غير فعال بالقدر المطلوب، وغالباً ما يفتقر إلى الشفافية اللازمة لكسب ثقة الجَمهور.
للتحول من مرحلة الدفاع السلبي إلى استراتيجية وقائية فاعلة، تحتاج الدول العربية إلى تبني مقاربات متعددة الأوجه. أولا ، يجب تعزيز الشفافية الحكومية والمصداقية المؤسسية، فالثقة هي الدرع الأول ضد الشائعات، عندما يشعر المواطن أن حكومته تتواصل معه بصدق وشفافية، تقل احتمالية تصديقه للروايات البديلة.
ثانيًا، يتطلب الأمر إنشاء مراكز رصد وتحليل متخصصة قادرة على التنبؤ بظهور الشائعات ذات الأهداف الاستراتيجية، وتفكيكها معرفيا قبل انتشارها الواسع.
ثالثا، ضرورة تطوير آليات اتصال سريعة ومبتكرة، تستخدم المنصات الرقمية نفسها التي تستخدم في نشر الأكاذيب، لتقديم المعلومات الدقيقة بلغة بسيطة ومقنعة.
في الختام، تمثل تكنولوجيا حرب الشائعات تهديدا وجوديا للدول والحكومات العربية في القرن الحادي والعشرين، حيث تستهدف تفكيك الإرادة الوطنية وزعزعة الاستقرار عبر استغلال الفضاء الرقمي ، إن تدمير الثقة والقدرات يتم ببطء، لكن نتائجه مدمرة بعمق ، تتطلب المواجهة الناجحة تحولا استراتيجيا يركز على بناء مجتمع رقمي واع ، وتعزيز الشفافية المؤسسية، وتطوير أدوات استباقية للتحقق من المعلومات والتصدي للحملات الممنهجة، لضمان صمود الدولة في وجه هذا النوع المعقد من الحروب غير التقليدية.
* صحفي بجريدة الشروق المصرية












01/29/2026 - 13:06 PM





Comments