د. فهيم الشايع
نميل بطبيعتنا إلى الارتياح حين نشعر أننا في مركز الاهتمام، حين تُصغي لنا العيون، وتدور الأحاديث حولنا، ونشعر – ولو للحظة – أن وجودنا يُحدث فرقًا، ربما لهذا تبدو العلاقات أكثر دفئًا حين تلامس مركزية الذات، لا بدافع الأنانية، بل لأن الإنسان لا يحتمل فكرة أن يكون هامشيًا في حياة الآخرين.
هذا الميل ليس طارئًا، ولا مكتسبًا بالكامل، إنه امتداد لفكرة أقدم، أعمق، سكنت وعي الإنسان طويلًا: أن يكون في القلب… لا في الأطراف، وبكل حياد، دون تفاخر أو إنكار، لا نعلم على وجه الدقة من أين استُعمِقت هذه الفكرة السطحية، وكيف غرقت في ثنايا وعينا حتى استحكمت، وتحوّلت مع الزمن إلى إيمانٍ غير قابل للمساءلة: أن خالق هذا الوجود جعلنا محور كل شيء، وأن الكون وُجد لأجلنا، راقصت هذه الفكرة أخرى، كفتاة ليلٍ لا تودّ أن تطلع صباحًا إلا وهي ممسكة بذراعها، تسأل في همسٍ متكرر: لماذا نحن؟ ولمَ لا نكون مركز هذا الكون؟
لكن الصدمة الأولى لم تأتِ من علاقة فاشلة، ولا من خيبة شخصية، بل جاءت من مكان أبعد بكثير، حين أخبرته الفيزياء أن الأرض ليست مركز الكون، وأنها ليست سوى نقطة صغيرة تائهة في فضاء لا نهائي، وأن وجوده – بكل ما يحمله من وعي وألم وأحلام –لم يكن يومًا شرطًا لانتظام هذا الكون، ولن يكون غيابه خللًا في مساره.
لم تكن هذه معلومة علمية بقدر ما كانت خلخلة داخلية، سقوطًا هادئًا لفكرة التفرد، وفقدانًا لاتزان ذاتٍ كانت تستمد معناها من موقعها، لا من جوهرها، منذ تلك اللحظة، لم يعد الإنسان يبحث فقط عن تفسير للكون، بل عن مكانٍ له فيه… أو عن سببٍ واحد يجعله يصدق أن وجوده لم يكن محض صدفة عابرة.
وكأي صدمة، يحتاج الإنسان إلى القليل ليستفيق، والكثير ليعتاد… وإن كان اعتيادًا بلا تقبّل، لم يكد يلتقط أنفاسه من الصدمة الأولى، حتى انهالت الثانية، لا كضربة مفاجئة، بل كتأكيدٍ قاسٍ لما أُسيء فهمه، وتعميقٍ لما استُنكر، وملاحقةٍ صبورة لمن حاول الفرار منه، هذه المرة لم تأتِ من أطراف الكون، بل اقتربت بما يكفي لتمسح ما تبقّى من كرامةٍ احتمى بها العقل طويلًا، نزلت إلى سطح التفكير اللامنطقي، وسحبت الإنسان من برجه العاجي.
ذلك البرج الذي شيّده من أوهام الاصطفاء، ليقول دارون كلمته، لم تعد الهامشية تقتصر على مكانتنا في الكون، ولا على كوننا غير مقصودين أو غير مرئيين، بل امتدت إلى صيرورتنا نفسها، فنحن نتاجٌ بيولوجيٌّ تطوريٌّ متغيّر، حلقة في سلسلة طويلة، واحتمال بين احتمالات، لسنا غاية الخلق، ولا خاتمة القصة، بل فصلًا عابرًا في سردٍ لا يعرف التوقف عندنا، وبعد أن سقط الموقع، وتهاوت الصيرورة، لم يبقَ للإنسان إلا عقله. ذلك الذي ظنّه الملاذ الأخير، وسيد القرار، والحَكَم الذي لا يُخطئ، لكن الصدمة الثالثة كانت الأقسى، لأنها لم تأتِ من الخارج، بل من الداخل تمامًا، اكتشف الإنسان أن عقله ليس واعيًا كما تخيّل، ولا حرًّا كما ادّعى، بل بارعًا في صناعة السرديات، وفي تزيين القرارات التي لم يخترها بوعي كامل، اكتشف أن ما يملكه من وعي ليس إلا جزءًا ضئيلًا من أفعاله، وأن الكثير مما يعتقد أنه اختياره هو استجابة لدوافع غائبة، وانحيازات قديمة، ومخاوف لم يعترف بها يومًا.
لم يكن الوعي غائبًا تمامًا، بل حاضرًا بما يكفي ليُقنعه أنه كامل، وغائبًا بما يكفي ليقوده دون أن يشعر، وهكذا، لم يعد العقل مرآة للحقيقة، بل أداة تبرير، ولا الوعي نورًا شاملًا، بل نافذة ضيقة نطلّ منها ونتوهم أننا نرى المشهد كاملًا.
الصدمات الثلاث كصدمات ذاتية وحين ننظر إلى هذه الصدمات بترتيبها، نكتشف أنها لم تكن ضربات موجّهة إلى الإنسان من الخارج، بل تشققات متتالية في صورة الذات عن نفسها، في الأولى، انهارت مركزيتنا في الكون، وفي الثانية، سقط تفردنا في الصيرورة، وفي الثالثة، تعرّت سيادتنا على عقولنا.
لم تُقصِنا السماء، ولم تُهِنّا الطبيعة، ولم يخدعنا العقل بقدر ما كشفنا لأنفسنا، المفارقة أن الأرض لم تشاركنا الصدمة، لم ترتبك حين فقدت مركزيتها، لم تسأل عن معناها، لم تشعر بالخسارة، كانت الأرض… هي الأرض، الذي سقط من علٍ لم يكن موقعها، بل ذواتنا التي بُنيت على افتراضٍ معقّد، أن شعورنا بأهميتنا دليل على حقيقتها، وُزّعت علينا فكرة التميّز بظلمٍ عادل، فصرنا نؤمن أننا جميعًا مميزون، وفي الوقت ذاته، نرفض إلا أن نكون مميزين متفردين عن غيرنا دون دليل.
سلسلة لا تستقيم منطقيًا، لكننا كنا وما زلنا أسرى لها، وحين خلعنا ثياب مركزيتنا، لم نشعر ببرد التهميش، ولم تبتلعنا عتمة الصفر على الشمال، بقي فينا شيءٌ عنيد يرفض أن يكون عاديًا تمامًا، حتى جاءت الظروف، لا لتقنعنا، بل لتُعلن: البقاء للأصلح، وما نحن إلا صنيعة ما تكيفنا عليه، دون ميزة، دون قصد، ودون معنى إضافي نُخفيه عن أنفسنا.
تأرجحت الذات، كمن ذاق لذةً كاملة ولم يرتوِ، راحة تسبق الخطر، وسكون يسبق الجراحة، ولم يبقَ في النهاية من يواسي الذات إلا العقل، لكن الوعي كان قد انكشف كأكذوبة محكمة، يخفي أكثر مما يكشف، ويمنحنا الطمأنينة كي لا نهرب، وهكذا، تقبّلنا كل شيء، دون أن ندرك أننا لم ننجُ، بل تعلّمنا كيف نعيش داخل الصدمة، ما زلنا عالقين، نحن غرقى… فارقنا الحياة عطشى.












01/29/2026 - 09:35 AM





Comments