أمريكا حين تدير العالم بالقوة... لماذا يصبح التغيير ضرورة كونية؟

01/28/2026 - 15:45 PM

San diego

 

 

رشيد ج. مينا

قد يقول قائل: ما شأنك، وأنت العربي اللبناني، بالتغيير في الولايات المتحدة الأمريكية، وهي دولة عظمى يملك شعبها حق ممارسة الديمقراطية والاختيار بين مرشحي الحزبين الديمقراطي والجمهوري؟ وفي الظاهر، قد يبدو هذا الكلام منطقيًا، لكن في الجوهر والمضمون، هو غير ذلك تمامًا.

فالسياسات الأمريكية لا تقتصر على إدارة الشأن الداخلي، بل تتجاوز ذلك إلى إدارة العالم بمنطق غلبة القوة، لا بمنطق السياسات الحكيمة التي تعزّز الاستقرار، وتحترم حق الشعوب والدول في تقرير مصيرها، وفق أسس العدل والسلم العالمي.

إن الولايات المتحدة، بما تملكه من قوة عسكرية وتفوّق تكنولوجي، وما تعتمده من سياسات توسّع وهيمنة، تعمل على السيطرة على الموارد، ومصادر الطاقة، والممرات البحرية والبرية الاستراتيجية، عبر نهج القوة والنهب والإخضاع، من دون أي اعتبار حقيقي لحقوق الإنسان، أو لسيادة الدول، أو لإرادة الشعوب.

وما وصلت إليه هذه السياسات اليوم لم يعد يشكّل خطرًا على شعوب العالم وحدها، بل بات خطرًا على الشعب الأمريكي نفسه. خطرٌ تدركه الشعوب، وتراه الدول، وتُلمسه نتائج كارثية في كل مكان، رغم أن كل ذلك يُسوَّق تحت عناوين براقة: "الديمقراطية"، "تحرير الشعوب"، و"نشر القيم". غير أن الواقع المعاش، من فلسطين إلى العراق، ومن الشرق الأوسط إلى بقية مناطق العالم، يفضح التناقض الصارخ بين الشعارات والنتائج.

إن التغيير في الولايات المتحدة لم يعد شأنًا أمريكيًا داخليًا فحسب، بل أصبح ضرورة أممية. ومن هنا، تبرز أهمية توحيد الجهود الشعبية، ودور الجاليات العربية وغيرها من الجاليات الآتية من مختلف أصقاع الأرض، في التأثير، والتعبئة، ورفع مستوى الوعي بمخاطر استمرار السياسات الأمريكية على النهج ذاته؛ نهج لم يصنع استقرارًا، ولا توازنًا، ولا إنصافًا في أي تدخل أو استعمال للقوة، بل عمّق الأزمات ووسّع رقعة الفوضى.

تُصرّ الإدارات الأمريكية على تبرير سياساتها، واستعمالها المفرط للقوة، ودعمها اللامحدود للعدو الصهيوني وكيان إسرائيل، باعتباره ضرورة استراتيجية لحماية الولايات المتحدة من "الخطر الصيني"، و"الدب الروسي"، و"الضعف الأوروبي"، و"الإرهاب الإسلامي والعربي". لكن هذه الذرائع لم تنتج أمنًا، ولا استقرارًا، بل زادت العالم انقسامًا وتوتّرًا.

إن التغيير في الولايات المتحدة، وكسر قبضة الهيمنة الصهيونية على القرار الأمريكي، لم يعد ترفًا فكريًا أو مطلبًا هامشيًا، بل ضرورة حقيقية تصب في مصلحة الشعب الأمريكي نفسه، كما في مصلحة شعوب العالم التوّاقة إلى الحرية، والديمقراطية الحقيقية، والاستقرار، والسلم العالمي.

سلامٌ يقوم على التوازن، والحق، والعدل، والمساواة، واحترام سيادة الدول، وحق الشعوب في تقرير مصيرها، وتفعيل الهيئات الأممية، ورفع الوصايات عنها، وكسر منطق غلبة القوة، لصالح قوة الحق والعدل.

إن ما تمارسه الولايات المتحدة اليوم، باسم الديمقراطية وحماية المصالح، لم يعد يُنتج أمنًا ولا استقرارًا، بل يعمّق الفوضى ويُسرّع الانكشاف العالمي. من هنا، يصبح التغيير في أمريكا ضرورة تتجاوز حدودها الجغرافية، لأنه يمسّ مصير الشعوب كافة، وفي مقدّمتها شعوب المنطقة العربية.

فإمّا كسر منطق الهيمنة وغلبة القوة، والانتقال إلى نظام عالمي أكثر توازنًا وعدلًا، يقوم على احترام السيادة وحق الشعوب في تقرير مصيرها،
وإمّا استمرار عالم يُدار بالقوة، حيث تُستبدل القيم بالمصالح، والحقوق بالحسابات، والإنسان بوظيفة في مشروع الهيمنة.

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment