بقلم الدكتور لويس حبيقة
عرف الاقتصاد العالمي ثورات صناعية متتالية أضافت كل واحدة منها الى ما سبقها. في الثورة الأولى بنت المجتمعات الغربية دولا مركزية تبعا لنظريات "توماس هوبس" وكتابه "ليفياتان" الذي صدر في سنة 1651. شكلت هذه ثورة لأنها أعطت السلطة المركزية قوة لتحديد وتنفيذ السياسات المطلوبة. شكلت النظرية الركيزة الأولى للدول القومية حيث قال "هوبس" أن الهدف الأول للدولة هو تحقيق النظام وتطبيق القانون والبناء على عقد اجتماعي واقعي. في القرنين 18 و 19، تمددت الثورتان الفرنسية والأميركية في كل أوروبا. في زمن "أدام سميث" مؤسس النظام اللييرالي، أعطي للقطاع العام دورا ثانويا أو هامشيا.
لكن بعد التجارب تبين للمجتمعات أنه لا بد من تعزير صلاحيات القطاع العام كي يقوم بواجباته مما سمح بالانتقال الى الثورة الثالثة التي حققت نظام دولة الرفاهية. بنيت هذه الفترة على نظريات "جون ستيوارت ميل" التي كتبها في زمن بريطاني متفائل ومستقر. وجدت "الادارة العامة" التي هدفت ليس فقط الى تأمين الأمن والاستقرار، بل الى الاهتمام بحاجات المواطن الاجتماعية من علم وصحة وغذاء وغيرها وبنيت على نظريات "بياتريس ويب" الرائدة. قال "هاييك" في سنة 1944 أن القطاع العام إذا بقي قويا سيقضي على الحريات وبالتالي وجب وضع حدود له.
بعد هذه الثورات الثلاث، لم تأت الرابعة مباشرة، بل تحققت نصف ثورة مع نظريات الاقتصادي "ميلتون فريدمان" التي طبقت في عهدي ريغان وتاتشر. قامت الإدارتان بتنفيذ الخصخصة لكن المشروع لم ينجح كليا، فتم التراجع عن بعض الأفكار. لم ينحسر دور القطاع العام في الاقتصاد الا جزئيا لفترة صغيرة، عاد بعدها الى التمدد. قال فريدمان في سنة 2004 أي قبل سنتين من وفاته ان الادارتان نجحتا في وقف التمدد الاشتراكي السياسي، لكنهن لم تنجحا في ضرب وقلب مصادره وأسباب انتشاره. دور القطاع العام هو أقوى اليوم من السابق.
في أكثرية الدول، الشعب غير راض عن اداء الحكام مما يفسر فوز الأحزاب المتطرفة في الانتخابات الرئاسية والتشريعية. لذا يحتاج العالم الى أفكار وربما ثورات جديدة تحسن الأوضاع العامة للمواطن عندما تطبق. تبنى الثورة الرابعة على الفكر والحرية والديموقراطية، على تفعيل القطاع العام في الاقتصاد ضمن قواعد العولمة والتكنولوجيا. هدف الثورة تمكين القطاع العام من تقديم خدمات أفضل للمواطن مرتكزا على أفضل الأفكار المقتبسة عالميا. هدفها تحديث قوانين العمل احتراما للمواطن وحقوقه وتفعيلا لانتاجيته. هدفها خلق المناخ المناسب لتحقيق النجاح للمواطن كما لقطاع الأعمال. الأوضاع كما هي عليه غير مرضية للمواطن، ولا بد من تحقيق التغيير لارضائه.
أما الثورة الخامسة فتبنى على الرابعة أي تقوي استفادة المواطن من كافة الآلات التكنولوجية الحديثة لتعزيز الرفاهية الاجتماعية التي يحلم بها المجتمع. هنالك أخيرا الثورة السادسة التي تطور السلع والخدمات معتمدة على دمج التقدم التكنولوجي المتشعب والمتنوع. تصبح التكنولوجيا مع الوقت أكثر فأكثر ركيزة التقدم الاقتصادي الحديث.












01/28/2026 - 15:42 PM





Comments