بَيْنَ الحَقِيقَةِ وَالأُسْطُورَةِ

01/28/2026 - 15:37 PM

secureaisystems

 

 

 

عَلَى الرَّغْمِ مِنَ التَّقَدُّمِ الهَائِلِ الَّذِي بَلَغَتْهُ البَشَرِيَّةُ، وَمَا رَاكَمَتْهُ مِنْ مَعْرِفَةٍ وَأَدَوَاتٍ، مَا زَالَ العِلْمُ يَقِفُ عَاجِزًا أَمَامَ أَسْئِلَةٍ لَا تَخْضَعُ لِلْقِيَاسِ، وَلَا تُطِيعُ المِجْهَرَ، وَلَا تَسْتَسْلِمُ لِلْمُعَادَلَاتِ.

فَكُلُّ مَا قَبِلَ أَنْ يَدْخُلَ المُخْتَبَرَ، وَيُحَلَّلَ وَيُخْضَعَ لِلشُّرُوطِ، أَمْكَنَ لِلْعِلْمِ أَنْ يَفُكَّ شِفْرَاتِهِ. أَمَّا مَا رَفَضَ أَنْ يُخْتَزَلَ إِلَى أَرْقَامٍ، فَبَقِيَ خَارِجَ سُلْطَتِهِ، مُحَاطًا بِضَبَابٍ لَيْسَ جَهْلًا، بَلْ عُمْقًا.

لَيْسَ كُلُّ مَا يَعْجِزُ العِلْمُ عَنْ تَفْسِيرِهِ بَسِيطًا، وَلَا كُلُّ مَا لَا يُحَلَّلُ مِخْبَرِيًّا فَارِغًا. فَبَعْضُ الأُمُورِ بَسِيطَةٌ إِلَى حَدِّ الِاسْتِعْصَاءِ، وَعَمِيقَةٌ إِلَى حَدٍّ يَجْعَلُهَا أَكْبَرَ مِنَ التَّفْسِيرِ.

كَيْفَ يُمْكِنُ لِلْعِلْمِ أَنْ يُفَسِّرَ الحُبَّ، وَهُوَ لَا يُقَاسُ بِالزَّمَنِ، وَلَا يُخْتَزَنُ فِي الذَّاكِرَةِ، بَلْ يَتَجَلَّى ثُمَّ يَغِيبُ؟

وَكَيْفَ لَهُ أَنْ يُفَسِّرَ الغُفْرَانَ، وَهُوَ فِعْلٌ يَتَجَاوَزُ مَنْطِقَ العَدَالَةِ وَحِسَابَ الرِّبْحِ وَالخَسَارَةِ؟

وَكَيْفَ يُفَسِّرُ أَنْ يَخْتَارَ إِنْسَانٌ أَنْ يَمُوتَ مِنْ أَجْلِ إِنْسَانٍ آخَرَ، فِي قَرَارٍ لَا تَشْرَحُهُ غَرِيزَةُ البَقَاءِ، وَلَا نَظَرِيَّةُ المَنْفَعَةِ؟

هُنَا لَا يَفْشَلُ العِلْمُ، بَلْ يَبْلُغُ حُدُودَهُ. وَعِنْدَ هَذَا الحَدِّ، لَا تَبْدَأُ الأُسْطُورَةُ، بَلْ يَبْدَأُ السِّرُّ. وَالسِّرُّ لَا يُطْلَبُ مِنْهُ أَنْ يُفْهَمَ، بَلْ أَنْ يُعَاشَ؛ لَا أَنْ يُسَيْطَرَ عَلَيْهِ، بَلْ أَنْ يُسَلَّمَ لَهُ.

مِنْ هُنَا، لَا يَعُودُ العَقْلُ خَصْمًا لِلْإِيمَانِ، وَلَا الإِيمَانُ بَدِيلًا عَنِ العَقْلِ، بَلْ شَرِيكًا لَهُ. فَحَيْثُ يَتَوَقَّفُ العَقْلُ عِنْدَ حُدُودِهِ، لَا يَنْتَهِي الطَّرِيقُ، بَلْ يَتَقَدَّمُ الإِيمَانُ لِيُوَاصِلَ المَسِيرَةَ. فَلَا الإِيمَانُ بِمُفْرَدِهِ يَخْدِمُ الإِنْسَانَ فِي رِحْلَتِهِ نَحْوَ الحَقِيقَةِ، وَلَا العَقْلُ وَحْدَهُ يَبْلُغُهَا؛ بَلْ فِي تَعَاوُنِهِمَا يَجِدُ الإِنْسَانُ تَوَازُنَهُ.

ذَلِكَ أَنَّ هَذَا التَّعَاوُنَ لَا يَتَعَارَضُ مَعَ طَبِيعَةِ الإِنْسَانِ، بَلْ يَنْسَجِمُ مَعَهَا؛ إِذْ إِنَّ الإِنْسَانَ كَائِنٌ لَا يُخْتَزَلُ فِي عَقْلٍ فَقَطْ، بَلْ يُعَاشُ عَقْلًا، وَرُوحًا، وَنَفْسًا. الإِنْسَانُ لَا يُبْحِرُ بِجَنَاحٍ وَاحِدٍ؛ فَإِنْ كَانَ العَقْلُ جَنَاحَ الإِدْرَاكِ، فَالإِيمَانُ جَنَاحُ المَعْنَى.

فَالحَقِيقَةُ لَيْسَتْ دَائِمًا مَا نُدْرِكُهُ، بَلْ أَحْيَانًا مَا يَأْخُذُنَا إِلَيْهَا. وَبَيْنَ مَا نُسَمِّيهِ حَقِيقَةً، وَمَا نَتَّهِمُهُ بِالأُسْطُورَةِ، تَقِفُ الرُّوحُ عَارِيَةً، مُدْرِكَةً أَنَّ بَعْضَ الأَجْوِبَةِ لَا تُكْتَبُ… بَلْ تُصَلَّى.

 

خَرْبَشَاتُ طِفْلٍ – بِقَلَمِ الاِبْنِ الضَّالِّ إِذَا تَابَ.

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment