بقلم: رشيد ج. مينا
ما سرّ تلك المشاريع الأمريكية التي تُطرح في أكثر مناطق العالم اشتعالًا باعتبارها «حلولًا» لوقف الحروب ومعالجة الأزمات؟ من إقامة مناطق اقتصادية حرة عند الحدود المتوترة في غزة وسوريا ولبنان، وصولًا إلى أوكرانيا، تُقدَّم هذه المشاريع كأدوات تنمية، من دون أي اعتبار حقيقي لحقوق الشعوب أو لجذور الصراعات التي فجّرت هذه الحروب.
شخصيًا، لا أستغرب هذا النمط من التفكير، ولا هذا النهج الأمريكي الذي برز بوضوح في عهد الرئيس دونالد ترامب، وتواصل بعده. فهذه الطروحات ليست حلولًا بقدر ما هي مشاريع سيطرة مقنّعة بلبوس الاقتصاد والتنمية. إنها الوجه الصريح لما يمكن تسميته بـالرأسمالية المتوحشة، التي لا تختلف في جوهرها عن المنهج الصهيوني الهادف إلى تثبيت النفوذ الإسرائيلي باعتباره القاعدة المتقدمة للهيمنة الغربية في الشرق الأوسط.
كل ما تقوم به الولايات المتحدة في منطقتنا لا يخرج عن إطار التطويق الجيوسياسي العالمي الذي تمارسه في مواجهة الصين وروسيا وكوريا الشمالية، وحتى إيران التي توهّمت أنها قادرة على أن تكون قوة إقليمية مستقلة. في الجوهر، نحن أمام معركة بقاء أمريكية، تسعى فيها واشنطن إلى الحفاظ على موقعها كقوة أولى مهيمنة، مستخدمة أدوات الاقتصاد كوسيلة ناعمة للسيطرة.
احتلال مقنّع تحت شعار التنمية
المناطق الاقتصادية الحرة المطروحة عند حدود غزة وسوريا ولبنان، وفي قلب أوكرانيا، ليست مشاريع بريئة، ولا أدوات تنمية محايدة. إنها إعادة إنتاج لاحتلال مقنّع، ومحاولة لفرض وقائع اقتصادية وأمنية جديدة تقيّد القرار الوطني، وتُشرعن النفوذ الخارجي، وتحوّل الشعوب إلى مجرد يد عاملة في خدمة منظومة الهيمنة.
المطلوب ليس رفض التنمية من حيث المبدأ، بل رفض الهيمنة المغلّفة بالشعارات الاقتصادية. نعم لوقف العدوان، نعم لإعمار ما تهدّم، نعم لتنمية حقيقية تخدم الشعوب، لا الشركات العابرة للقارات ولا مشاريع التبعية.
كيف نواجه هذا النموذج؟
المواجهة لا تكون بالشعارات، بل عبر خطوات سيادية واضحة، تبدأ بـ:
- تحقيق وحدة وطنية حقيقية داخل كل بلد.
- استعادة القرار الوطني المستقل من قبضة الخارج.
- بناء الدولة ومؤسساتها على أسس الكفاءة والشفافية.
- دعم القوى العسكرية والأمنية الشرعية وحصر السلاح بيدها وحدها.
- إطلاق حوار وطني جاد لتنفيذ وثيقة الوفاق الوطني (الطائف)، وتطويرها بما يتلاءم مع متطلبات العصر، دون المسّ بجوهر الكيان الوطني والعربي للبنان وسائر الدول العربية.
حين تتحقق هذه الشروط، يمكن لأي مشروع اقتصادي أن يكون جزءًا من رؤية وطنية سيادية، لا بوابة إضافية إلى مزيد من الارتهان والتبعية. أما دون ذلك، فكل ما يُطرح تحت عنوان "تنمية" ليس سوى واجهة ناعمة لهيمنة صلبة.












01/28/2026 - 02:46 AM





Comments