معتز فخرالدين
ليست الضربة الأمريكية المحتملة لإيران حدثًا عسكريًا عابرًا فحسب، بل تعبيرٌ مكثف عن مأزق أعمق: حين تُستدعى القوة كبديل عن السياسة. كل تهديد أمريكي يُقرأ اختبارًا لقدرة واشنطن على إدارة نتائجه في الإقليم، اختبار فشلت فيه مرارًا، مهما بدت الضربات محدودة وموجّهة.
مأزق القوة بدل السياسة
ما يجعل «اليوم التالي» أخطر من الضربة نفسها ليس حجم الدمار، بل طبيعة اللحظة التي تليها: مرحلة إعادة ترتيب استراتيجية تتآكل فيها قواعد الردع، وتتقاطع فيها الحسابات، وتُفتح الأبواب أمام أخطاء تقدير قد تتجاوز السيطرة. السؤال لم يعد ماذا ستفعل إيران فقط، بل ماذا ستكشف الضربة عن الداخل الإيراني، وعن هشاشة النظام الإقليمي، وعن عجز النظام الدولي عن إنتاج الاستقرار.
الرد غير المتماثل كخيار استراتيجي
في اليوم التالي لأي ضربة أمريكية، لن يكون الشرق الأوسط أمام حرب شاملة ولا أمام تسوية سياسية، بل أمام مرحلة انتقالية مضطربة تُدار بمنطق «التصعيد المضبوط». إيران، التي خبرت العقوبات والاغتيالات، تدرك أن الرد المباشر والمتكافئ هو ما تريده واشنطن. لذلك، سيكون الرد — إن حصل — غير متماثل، موزعًا على الزمن والساحات، هدفه إعادة فرض كلفة الصراع ومنع تثبيت سردية الهيمنة الأمريكية، لا تحقيق نصر عسكري تقليدي. أمثلة مثل هجمات أرامكو 2019 والردود على قواعد أمريكية تُظهر كيف يخلق الرد غير المتماثل صدمة استراتيجية دون إعلان حرب.
الداخل الإيراني: ساحة الاختبار الحقيقية
الداخل الإيراني هو الساحة التي لا يمكن تجاهلها. لا نتحدث عن انقلاب كلاسيكي، بل عن إعادة تموضع داخلي: ضغوط على مركز القرار، تباطؤ في التنفيذ، ومحاولات احتواء خيارات تصعيدية تُرى مدمّرة. الانتفاضات الاجتماعية تبقى عنصر استنزاف دائم، تتقاطع فيه أزمات النخبة مع ضغوط الشارع، ما يضاعف حساسية المشهد ويحدّ من خيارات النظام.
ساحات الرد الإقليمية وتباين المواقف
الإقليم يتباين في ساحاته وقدراته على الرد:
سورية: فقدت دورها كمنصة رد منظّم بعد تحولات المحور.
اليمن: ساحة ضغط قابلة للتفعيل بتأثير على الملاحة وكلفة تصعيد منخفضة نسبيًا.
العراق: يُستثمر لإيصال رسائل محسوبة والوجود الأمريكي فيه قابل للضغط دون انفجار شامل.
لبنان: ساحة مقيدة؛ حزب الله مستنزف وتحويل الردع إلى أداة احتواء لا هجوم.
الخليج: منقسم بين أهداف مباشرة للرد الإيراني ومنصات دبلوماسية تحاول الحفاظ على الحياد (قطر وعُمان). خلال «اليوم التالي» ترتفع الإجراءات الدفاعية وتُفتح قنوات دبلوماسية لتخفيف التصعيد.
إسرائيل: فاعل ومتلقي؛ قد تستفيد من إضعاف الخصم لكنها تواجه خطر تعريض عمقها الاستراتيجي للتهديد.
الفاعلون الدوليون والمخاطر الكبرى
روسيا والصين ستعارضان الضربة سياسيًا دون تورط مباشر، وأوروبا ستجد نفسها محصورة بين رفض التصعيد والعجز عن التأثير. تركيا قد تلعب دور الوسيط. أخطر السيناريوهات ليست التصعيد المحسوب بل الخطأ في الحساب: حادث بحري، هجوم سيبراني يخرج عن السيطرة، أو ردّ يتجاوز المقصود، ما قد يحوّل إدارة المرحلة الانتقالية إلى فوضى مفتوحة.
الضربة الأمريكية المحتملة ليست حلًا لأزمة بل دليل على عجز عن حلّها. إيران قد لا تُهزم، والولايات المتحدة لن تستعيد هيبتها القديمة. الداخل الإيراني سيبقى تحت ضغط مستمر، والإقليم سيدخل مرحلة حرجة تُدار على حافَة الحسم حيث تُختبر حدود الردع باستمرار. حين تفشل السياسة وتقدّم القوة بلا أفق سياسي، لا ينتصر أحد، لكن الجميع يدفع الثمن، خصوصًا الدول والمجتمعات الهشّة التي تُجبر على التكيّف مع كلفة الصراع دون أن تتحكم فيه.












01/27/2026 - 13:56 PM





Comments