رشيد ج. مينا
طرابلس ليست مجرد مدينة؛ هي ذاكرةٌ حية، وتاريخٌ من المجد والمحطات النضالية. كانت دومًا حاضرة في اللحظات المفصلية اللبنانية والعربية، شريكة لا هامش، ومبادِرة لا متلقّية. في طفولتي وشبابي، كانت طرابلس نابضة بالعمل والكرامة، مدينة يشعر أهلها بحجمها ودورها الوطني. اليوم، تبدو تلك الصورة مهددة بفعل سياسات وإهمال جعلها عرضة للفقر والتهميش.
واقع مؤلم: من أزقّة الفقر إلى بيوت غير صالحة للسكن
تستوقفنا اليوم مشاهد الأحياء المكتظة، والمنازل التي لم تعد صالحة للسكن، وأهلٌ يعيشون الوجع والمعاناة. هؤلاء هم أبناء المدينة ذاتها، الذين أنجبت قياداتٍ وصلت إلى مناصب نيابية ووزارية ورئاسية باسم طرابلس، لكن المدينة لم ترَ في عهودهم إنجازًا يُذكر. ما وصل إليها في كثير من الأحيان لم يكن أكثر من فتاتٍ من المال الأسود أو مساعدات موسمية تُوزّع في أوقات الانتخابات.
الخذلان السياسي: وعودٌ لا تتحقق
الوجوه نفسها تعود بعد كل استحقاق انتخابي بوعودٍ جديدة، وعودٌ لا تتحول إلى واقع. تختفي هذه الوعود مع إعلان النتائج، وتُطوى مع أول استحقاق جديد. السؤال البسيط يظلّ قائمًا: متى مثّل هؤلاء المدينة فعلًا لا اسمًا انتخابيًا؟ متى عبّروا عن تطلعات طرابلس ودورها بدلًا من مصالحهم الشخصية ومواقعهم؟ التاريخ لا يُكتب باللافتات ولا بالصور، بل بالأفعال والنتائج، وطرابلس لم تُكتب لها هذه النتائج في كثير من العهود.
دعوة إلى الانعتاق والتمثيل الصادق
المدينة لا تحتاج أوصياء ولا متاجرين بوجعها؛ تحتاج تمثيلًا صادقًا ودورًا يوازي تاريخها وحجمها الحقيقي. الافساح للمبادرات الشبابية الحقيقية، لأبناء التربة الشعبية الذين لم تلوّثهم الصفقات والارتهانات، هو الطريق لاستعادة المكانة. صحيح أن القانون الانتخابي مفصّل لصالح الطبقة المتحاصصة، وأن الواقع الاقتصادي يجعل الناس أسرى لقمة العيش، لكن الوعي الشعبي قادر على كسر الحلقة. حين ينهض وعي أهل طرابلس، تستعيد المدينة دورها كشريك أساسي في القرار الوطني لا هامشًا يُستثمر عند الحاجة.
مسؤولية وطنية ومطلب إصلاحي
المسألة ليست محصورة في طرابلس وحدها؛ هي مرآة لواقعٍ لبناني أوسع. لكن كون طرابلس كانت دومًا عاصمة للشمال وعاصمة لبنان الثانية يجعل من واجب ممثليها أن يرفعوا مستوى المطالب ويعملوا على تحويل الوعود إلى مشاريع ملموسة: بنية تحتية، تعليم، فرص عمل، إسكان لائق، وخطط تنموية مستدامة. لا يكفي الكلام الفارغ؛ المطلوب برامج قابلة للتنفيذ وشفافية في الأداء ومساءلة حقيقية.
طرابلس أكبر من خذلان ممثليها وستبقى. المدينة التي صنعت قامات وطنية وتاريخًا من النضال تستحق تمثيلًا يليق بتاريخها. على أهلها أن يرفضوا أن تُستغل معاناتهم، وأن يطالبوا بتمثيلٍ نزيهٍ وفعّال. حين يستعيد المواطنون وعيهم ويختارون من يمثلهم بصدق، ستعود طرابلس لتكون شريكة فاعلة في صنع القرار الوطني، لا هامشًا يُستثمر عند الحاجة.












01/27/2026 - 11:05 AM
.jpg)




Comments