السفير مسعود معلوف *
في التاسع والعشرين من شهر سبتمبر من العام الماضي، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب من البيت الأبيض وبحضور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن التوصل بين إسرائيل وحركة حماس الى "خطة شاملة لإنهاء النزاع في غزة". وقد تم التوقيع على هذه الخطة في التاسع من أوكتوبر قبل ان يتبناها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في السابع عشر من نوفمبر.
هذه الخطة تتضمن عشرين بنداً تتعلق بوقف إطلاق النار وتبادل الرهائن الإسرائيليين وجثث الرهائن الذين قتلوا أثناء احتجازهم لدى حماس مع سجناء فلسطينيين لدى إسرائيل، ونزع سلاح حماس، ونشر قوة دولية لتحقيق الإستقرار في القطاع، وكذلك تشكيل قوة سلام دولية ولجنة حكم مؤقتة مؤلفة من تكنوقراط غزيين تعمل بإشراف مجلس سلام دولي يشكله ويرأسه ترامب شخصيا، ويلي كل ذلك مشاريع إعمار القطاع وانسحاب إسرائيل منه.
أما البند الأهم في في هذه الخطة فهو البند التاسع عشر (قبل الأخير) الذي يشير الى التوصل، بعد تطبيق البنود السابقة، الى مسار من شأنه أن يؤدي الى تقرير المصير وصولاً لإقامة الدولة الفلسطينية تحقيقا لرغبات الشعب الفلسطيني، ويلي ذلك إقامة حوار تتبناه الولايات المتحدة بين إسرائيل والفلسطينيين للإتفاق على أفق سياسي للتعايش بسلام وازدهار. ولا بد من التوضيح في هذا المجال أن الكنيست الإسرائيلي سبق له ان اتخذ قراراً منذ بضعة أشهر يرفض إقامة دولة فلسطينية كما أن نتنياهو نفسه يرفض إقامة هذه الدولة.
هذه الخطة للسلام التي أعلن ترامب عن تبنيها جاءت بعد اتفاق لوقف إطلاق النار تم التوصل اليه في مطلع السنة الماضية وهو يتضمن ثلاث مراحل، وقد تم الإعلان، منذ أيام قليلة، عن دخول المرحلة الثانية التي تقضي بانسحاب اسرائيل الى ما وراء الخط الأصفر، ولكن يعرف الجميع أن إسرائيل لم تحترم لا وقف إطلاق النار ولا المرحلة الثانية من الخطة وهي تستمر بقصف القطاع ما أدى حتى الآن الى مقتل أكثر من أربعماية مواطن فلسطيني قسم كبير منهم من النساء والأطفال، كما أن إسرائيل لم تنسحب خطوة واحدة من القطاع بالرغم من إعلان ترامب موافقة إسرائيل على الخطة.
ما يثير القلق والقناعة بأن نتنياهو لا يريد إنهاء الحرب في غزة هو أنه يعلن أمام الرئيس ترامب موافقته على الخطة، ثم يقوم بقصف مناطق سكنية ومنشآت مدنية في غزة مدعياً انه يرد على الخروقات الفلسطينية، ويستمر بالإعلان أن حماس لم تسلم بعد جثة آخر أسير، علما أن هذا الأخير مدفون تحت الأنقاض نتيجة الدمار الكبير الذي سببه القصف الإسرائيلي المستمر، ويبدو من الصعب جدا تحديد مكان وجود الجثة. وعليه فإن نتنياهو يقول أن حماس لم تقم بعد بتنفيذ ما عليها تنفيذه في الخطة ولذلك إسرائيل لن تنسحب الى ما وراء الخط الأصفر الى ان يتم ذلك.
يضاف الى كل هذه الأمور تصريحات قوية يطلقها اعضاء متطرفين في حكومة نتنياهو مثل سموتريتش وبن غفير بأن إسرائيل لن تنسحب من القطاع بل عليها أن تسيطر عليه بالكامل وتبدأ ببناء المستوطنات لاحتلاله وإسكان الإسرائيليين فيه بعد ترحيل الفلسطينيين، ولا نسمع أي رفض من قبل نتنياهو على مثل هذه التصاريح.
كذلك لا بد من التوضيح بأن نتنياهو يتعرض منذ فترة لمحاكمة بتهم فساد، والإنتخابات لعضوية الكنيست ستجري بعد أشهر قليلة، وفي حال عدم فوزه في هذه الإنتخابات، فمن المرجح جدا أن يؤدي ذلك الى نهاية حياته السياسية مع احتمال قوي لدخوله السجن، لذلك هو يرى أن من مصلحته الإستمرار في العمليات العسكرية ليس فقط في قطاع غزة، بل أيضاً في الضفة الغربية وفي لبنان (بالرغم من اتفاق وقف الأعمال العدائية الموقع بين البلدين منذ أكثر من سنة) وفي سوريا وفي اليمن وفي إيران، محاولاً إقناع الإسرائيليين بأنه يدافع عنهم ويحميهم من الأعداء المحيطين بهم.
من المفيد التوضيح هنا أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يهمه أن تنجح خطته للسلام ليس حباً بالفلسطينيين أو بالإسرائيليين، بل حبا بنفسه لأنه يود أن يتباهى بأنه يضع حدا للحروب في مختلف بقاع الدنيا ويستحق جائزة نوبل للسلام، وهو يستمر بتكرار ذلك بصورة شبه يومية. أما نتنياهو، فمصلحته تقضي بعدم إيقاف الحرب كما أشرنا سابقاً، ولذلك نراه يراوغ باستمرار ويدعي أن الفريق الإخر هو الذي يخرق الإتفاقات وهو يكتفي بالرد على هذه الخروقات دفاعا عن الإسرائيليين.
لقد أوفد ترامب الى إسرائيل مستشاره للشرق الأوسط ستيف ويتكوف وصهره جاريد كوشنر حيث اجتمعا بنتنياهو في الرابع والعشرين من يناير من أجل إقناعه بالمضي في خطة السلام وتنفيذ ما يتوجب عليه في المرحلة الثانية من الخطة، ويعتقد معظم المراقبين أن نتنياهو لن ينصاع لهذه الضغوط وسيستمر بالمراوغة وبأعماله العدائية في قطاع غزة متهما حماس بخرق الإتفاق، خاصة وأن أي تصريح بنتائج الإجتماع لم تعلن.
من جهة ثانية، أعلن ترامب أثناء وجوده في دافوس منذ أيام قليلة تشكيل مجلس السلام الذي مهمته الإشراف على نزع سلاح حماس ومراقبة أعمال لجنة التكنوقراط التي ستدير الشؤون الإدارية العائدة للقطاع، علما أن دولا عديدة اعتذرت عن قبول الدعوة للإنضمام الى هذا المجلس الذي يتعرض لكثير من الانتقادات إذ أن طريقة عمله غير محددة بشكل واضح وترامب سيرأسه حتى بعد انتهاء ولايته وخروجه من البيت الأبيض.
كثيرون في الولايات المتحدة وخارجها يعتقدون أن أي تغيير في السياسة الإسرائيلية حيال القطاع لن يحصل قبل الإنتخابات التي من المقرر أن تجري في السابع والعشرين من شهر أوكتوبر القادم إذ أن نتنياهو لن يطبق بشكل مقبول أية خطة سلام مع حماس قبل ذلك، والأمر يتوقف على نتيجة هذه الإنتخابات، ففي حال فاز حزبه بالإنتخابات وأصبح يتمتع بأكثرية في الكنيست وتمكن من تشكيل حكومة جديدة قد لا يكون فيها أعضاء من اليمين المتطرف كما هو الحال في الحاضر، فإنه قد يقبل عندئذ بخطة السلام، وبذلك سيحصل من ترامب على المزيد من التأييد والسلاح والمساعدات المالية لقاء تمكين ترامب من التباهي بتحقيق السلام في المنطقة والإستمرار في إعلان حقه بالحصول على جائزة نوبل للسلام التي يحلم بها انطلاقا من الغيرة التي يكنها للرئيس الأسبق باراك أوباما الذي تم منحه هذه الجائزة في العام 2009.
وفي حال فوز المعارضة في هذه الإنتخابات، فمن المحتمل أن تقبل الحكومة الإسرائيلية الجديدة بخطة ترامب للسلام من أجل كسب ود الرئيس الأميركي، وهكذا يبدو واضحا أن نتنياهو هو من يعرقل خطة السلام ويستمر في حربه الوحشية ضد قطاع غزة وفي الإبادة الجماعية التي بدأها ضد الشعب الفلسطيني في غزة منذ أوكتوبر 2023.
* سفير لبناني متقاعد












01/27/2026 - 09:38 AM





Comments