مواجهة بلا إعلان… وبلا سقف: أين تتجه أميركا وإيران؟

01/27/2026 - 08:40 AM

secureaisystems

 

 

بقلم شربل عبد الله أنطون

المنطقة تتحرّك فوق خط زلازل سياسي. واشنطن وطهران تتقدّمان نحو مواجهة لا يريدها أحد، لكنها باتت أقرب من أي وقت مضى.

تقف الولايات المتحدة وإيران اليوم على شفا حرب مفتوحة، رغم قول ترامب ان "الوضع متغير". ومع ذلك، تدخل العلاقة بين البلدين مرحلة تتقلص فيها هوامش الخطأ؛ فالخطر لم يعد يكمن في قرار واحد مفاجئ، بل في تراكم الضغوط التي تدفع الطرفين تدريجياً نحو مواجهة؛ إنه مسار تصادمي يتشكل خطوة بخطوة وبسرعة، وقد ينفجر في أي لحظة. فالأزمات نادراً ما تبدأ بإعلانات رسمية، بل تبدأ بـ "قوة دفع" تراكمية.

نافذة الدبلوماسية تضيق

تعثرت المحاولات الأخيرة للتواصل غير المباشر بين البلديين وسط تفسيرات متضاربة؛ فبينما ترى واشنطن في ردودها المحسوبة بعناية، سواء كانت عمليات سيبرانية، أو إنفاذ القانون البحري، أو ضربات محددة ضد ميليشيات إيران، ترى فيها إشارات بأن الدبلوماسية لا تزال ممكنة، وغالباً ما تقرأ طهران ضبط النفس الأميركي على أنه تردد أو علامة خوف.

وقد أدى القمع العنيف للاحتجاجات الشعبية في إيران إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي بشكل أكبر. إذ قلصت التقارير حول الاعتقالات الجماعية في إيران وقتل المتظاهرين من المساحة الدبلوماسية المتاحة لإدارة ترامب، حيث باتت الضغوط الداخلية وضغوط الكونغرس تجعل من الصعب تبرير أي تقارب دبلوماسي مع إيران.

وعندما يوجه النظام الإيراني قبضته الأمنية نحو الداخل، تتقلص مرونته في الخارج؛ لقد أصبح تفاقم القمع الداخلي مُحفزاً استراتيجياً يؤدي إلى تصلب المواقف، ويزيد من أخطار سوء الفهم، ويحد من فرص تهدئة التصعيد.

ضغوط هيكلية

لا تحتاج الولايات المتحدة إلى ذريعة "تغيير النظام" لكي تتحرك، فمخاوفها هيكلية وتزداد حدة، وتتمثل في: البرامج النووية والصاروخية الإيرانية، وشبكات ميليشيات إيران التي تهدد القوات الأميركية وحلفاءها، ومخاطر سوء التقدير في العراق أو سوريا أو الخليج، فضلاً عن تعميق طهران لتحالفها مع روسيا والصين.

في عصر التنافس بين القوى الكبرى، تمثل إيران نقطة ارتكاز استراتيجية؛ فوجود دولة إيرانية يمكن التنبؤ بتحركاتها —حتى دون تغيير سياسي شامل— من شأنه أن يخفف الضغط عن شركاء الولايات المتحدة، ويحد من قدرة موسكو وبكين على استخدام طهران كأداة ضغط على واشنطن. هذا المنطق هو ما يصيغ التفكير الأميركي الآن، أكثر من أي حادث فردي عابر.

اتساع نطاق التصعيد

غالباً ما يصور النقاش العام الخيارات الأميركية على أنها خياران لا ثالث لهما: الدبلوماسية أو الحرب. لكن في الواقع، النطاق أوسع بكثير، وهناك عدة درجات من التصعيد بدأت فعلياً: من ضربات محدودة على المنشآت، وتوسيع نطاق الملاحقة البحرية لاستهداف الموارد المالية، إلى العمليات السيبرانية ضد شبكات القيادة، واستهداف البنية التحتية للميليشيات خارج إيران، وصولاً إلى ضربات أوسع لمواقع إنتاج الصواريخ والمسيّرات.

ورغم وجود خيارات أكثر حدة، إلا أنه حتى بدونها يظل المسار واضحاً: نطاق الإجراءات المحتملة في اتساع وليس انكماش. ونادراً ما يبدأ التصعيد بأمر دراماتيكي، بل يبدأ بسوء فهم، وبوهم أن الأفعال الصغيرة ستبقى صغيرة.

تتزايد المخاطر على جبهات متعددة: من التداعيات الإقليمية التي تشمل "حزب الله" أو الفصائل العراقية أو الحوثيين، إلى الهجمات على القوات الأميركية، والصدمات التي قد يتعرض لها سوق الطاقة العالمي، والتحركات الانتهازية من قبل روسيا أو الصين، وصولاً إلى التصدعات الداخلية داخل المؤسسات الأمنية الإيرانية. لا شيء من هذه النتائج حتمي، ولكن بمجرد بدء التصعيد، يصبح التحكم فيها أصعب بكثير.

ديناميكيات الحلفاء

التنسيق الأميركي مع الشركاء العرب والأوروبيين مستمر، لكن التوجهات تتباين بوضوح؛ فالبعض يفضل الضغط المدروس، بينما يميل آخرون نحو العمل الحاسم والسريع. وفي المقابل، ترسل إسرائيل، التي تواجه ما تعتبره تهديداً وجودياً، إشارات على استعدادها للتحرك بشكل منفرد.

يخلق هذا وضعاً متفجراً: إذ يتعين على واشنطن الحفاظ على تنسيق وثيق مع منع أي تحركات أحادية قد تضطرها للتدخل أو تؤدي إلى توسيع رقعة الصراع.

اليوم التالي… مجهول

تثير أي مواجهة —سواء كانت محدودة أو واسعة— سؤالاً شائكاً: ماذا بعد؟

النظام السياسي في إيران متشعب ومتعدد الطبقات وقادر على الصمود لفترة أطول؛ حتى الضربات الكبيرة على البنية العسكرية أو الأمنية لن تنتج انتقالاً واضحاً للسلطة بشكل سلِس ومنظم.

روسيا والصين ستسعيان لتعزيز نفوذهما، وستخشى دول المنطقة من عدم الاستقرار، بينما ستتصارع القوى الداخلية على السلطة. إن مرحلة "ما بعد الصدام" ستكون ساحة صراع محتدمة ومشهد مضطرب ذات مخاطر عالية وقليل من الضمانات.

لم تختر الولايات المتحدة الحرب، ولم تختر إيران الاستسلام. ومع ذلك، فإن القمع الداخلي، والاضطراب الإقليمي، والضغوط المتراكمة، كلها عوامل تدفع الطرفين نحو مرحلة أكثر خطورة.

إن رصد هذا المسار ليس تهويلًا، بل هو تحذير وفرصة في آن واحد. فبدون تغيير في الديناميكيات الكامنة، قد تتحول قوة الدفع الحالية إلى قدر محتوم. إن اللحظة المناسبة لتغيير هذا المسار هي الآن.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment