الخوري الدكتور نبيل مونس
في مناسبةٍ تحمل عبق التاريخ وروح القداسة، صدر مرسوم بابوي بإعلان سنة يوبيلية خاصة إحياءً للذكرى الثامنة لمرور القديس فرنسيس الأسيزي في مسيرة الكنيسة. إنها محطة للتأمل، لا في سيرة رجلٍ عاش قبل ثماني قرون فحسب، بل في معنى الرسالة التي حملها إلى عالمٍ كان يشبه عالمنا اليوم في اضطرابه وضياعه.
أيها القارئ العربي،
يا ابن المشرق الذي عرف معنى الروح قبل أن يعرف معنى الحداثة،
توقّف قليلًا.
فالسنون تتزاحم، كما تتزاحم مصائر البشر.
تغلب المنافسة على التعاون،
والضغط على المشاركة،
والإلغاء على الرجاء،
والحرب على السلام.
ومع ذلك، يبقى هناك صوت يخرج من عمق التاريخ، يدعونا إلى الوقوف والتأمل: صوت مار فرنسيس.
فرنسيس… الرجل الذي خرج من قلب العاصفة
كان بإمكانه أن يبقى فارسًا، غنيًا، مشهورًا، أسيرًا لشهوة القوة والمجد.
لكنه اختار العكس.
تخلّى عن كل شيء،
لأنه لمس في الإنجيل فرحًا لا يُشترى،
وقوة لا تُقاس،
ورسالة خلاص تتجاوز حدود الذات والعالم.
عاد إلى القاعدة المسيحية الأولى، تلك التي حاولت الأنظمة العَلمانية والمتديّنة على حدّ سواء أن تطمسها، لكنها بقيت حيّة لأن مؤسسها حيّ:
يسوع المسيح،
رب الحياة،
نورٌ من نور،
إلهٌ حقّ من إلهٍ حقّ،
الذي لا يحدّه زمان ولا مكان،
لأنه هو الزمان والملكوت والحياة.
فرنسيس… إلى قلب الشرق
سار مشيًا إلى مصر، إلى مركز الخلافة الإسلامية، ليقف أمام السلطان ويشهد للمسيح الذي لم يكن معروفًا بعد على حقيقته.
هو المسيح نفسه الذي قال لفرنسيس من على الصليب:
«يا ابني، اذهب وأعد بناء كنيستي».
وهو ذاته الذي خاطب بولس الرسول:
«شاول، شاول، لماذا تضطهدني؟».
أعطى بولس جرحًا في الخاصرة،
وأعطى فرنسيس جراحًا تشبه جراح المصلوب.
وبولس، رسول الأمم، قلب روما رأسًا على عقب،
حتى تفجّرت من دم استشهاده ثلاثة ينابيع للحياة،
وتحوّلت روما من معبد وثني إلى كرسي الحكمة والحق،
حيث يجلس خليفة بطرس راعي الكنيسة المجاهدة على الأرض.
فرنسيس… الذي روّض الذئب
أظهر للعالم أن يسوع قادر أن يروّض الذئب الجائع،
وأن ينقذ الإنسان من فوهة الأسد.
ومنذ ذلك اليوم، تسلّم الرهبان الفرنسيسكان رعاية الأراضي المقدسة،
يحملون رسالة السلام في أرضٍ تحتاجه أكثر من أي وقت.
الخلاصة: الخلاص آتٍ
آتٍ لا محالة.
فلنصغِ إلى صوت بولس،
ولنؤمن أن الكلمة الأخيرة ليست للعنف،
ولا للمدفع،
ولا للسيف،
ولا للمنجل،
بل للمحبة… للرحمة.
المسيح الحيّ يقرع اليوم على الأبواب:
أبواب أورشليم،
أبواب المدن،
وأبواب القلوب.
اقرأ بعين القلب
لا بعين الإيديولوجيات الثورية الملحدة،
ولا بعين التاريخ المزوّر،
ولو تزيّن بلباس الحداثة.
اقرأ بوحي الروح القدس،
لا بوحي روح العالم.
زيارة صغيرة… وغفران كبير
إن استطعت، ادخل كنيسة لمار فرنسيس، أو كنيسة يديرها الفرنسيسكان.
صلِّ،
اعترف،
وإن أمكنك، شارك في الأسرار المقدسة،
تنل غفرانًا كاملاً.
فالعالم كلّه يئنّ،
عطشًا إلى رحمة فداء الرب يسوع،
لكي يصير موحّدًا
في حرية أبناء الله.












01/27/2026 - 08:08 AM
.jpg)




Comments