السودان بين أطماع الخارج وانكسار الداخل

01/27/2026 - 07:40 AM

San diego

 

 

 بقلم الكاتب الصحفى عزت سلامة

تحوّلت السودان الشقيقة إلى دولة أسيرة بين مطرقة الأطماع الخارجية وسندان الانكسار الداخلي. فما يجري اليوم لم يعد مجرد صراع على السلطة، ولا حربًا عابرة بين جنرالين يتنازعان على الثروة، بل مأساة وطن كامل يدفع ثمن موقعه وثرواته في عالم لا يعترف إلا بمنطق القوة والمصالح.

السودان اليوم دولة تُستنزف ببطء، تُدار أزمتها من خارج حدودها، ويُقتل أبناؤها بأيدٍ سودانية. فمنذ اندلاع الحرب قبل نحو ثلاث سنوات، بدا واضحًا أن الساحة السودانية لم تعد سودانية خالصة. أطراف إقليمية عربية رأت في الفوضى فرصة لتوسيع نفوذها وإعادة رسم خريطة السيطرة على البحر الأحمر والقرن الإفريقي. أما معاناة الشعب السوداني — جوعًا وتشريدًا وانهيارًا — فلم تكن يومًا ضمن أولويات اللاعبين.

ثلث سكان السودان نزحوا داخليًا أو عبروا الحدود. أكثر من ثمانية ملايين طفل خارج المدارس. ملايين يواجهون انعدام الأمن الغذائي الحاد، فيما ينهار القطاع الصحي وتغلق المستشفيات أبوابها. منظمة الصحة العالمية تصف الوضع الصحي بالمتدهور، والكوليرا تتفشى، و87% من النازحين هم من الأطفال والنساء وذوي الاحتياجات الخاصة. المدن مدمرة، الاقتصاد منهار، والأفق السياسي مسدود، بينما العالم يشاهد المأساة ببرود وكأن السودان مجرد خبر في زاوية جريدة صفراء.

في المقابل، تتعامل الولايات المتحدة مع السودان كملف أمني لا كدولة ذات سيادة. سياسة العصا والجزرة، العقوبات والوعود، لم تُنتج انتقالًا ديمقراطيًا، بل أضعفت مؤسسات الدولة وفتحت الباب أمام الجيش والميليشيات. تُبقي واشنطن النار مشتعلة طالما لا تهدد مصالحها.

لكن تحميل الخارج وحده المسؤولية هروب من الحقيقة. فالدولة السودانية جرى تفكيكها من الداخل: تسييس الجيش، إضعاف القضاء، خنق الاقتصاد. تفريغ الدولة من معناها جعلها هشة وفريسة سهلة للتدخلات.

الضحية الأولى والأخيرة هو الشعب السوداني.

السودان لا يحتاج بيانات شجب ولا مؤتمرات لالتقاط الصور. يحتاج إلى استعادة قراره الوطني، وبناء دولة مدنية قوية تُغلق أبوابها أمام الوصاية، وتضع حدًا لاستخدام دماء أبنائها كورقة تفاوض. فالدول لا تُنقذ بالرهان على الخارج، بل بإرادة الداخل ولمّ الشمل تحت قيادة حكيمة تسمح بمشاركة كل الفصائل دون إقصاء.

قد يكون السودان اليوم أسيرًا، لكنه لم يفقد حقه في الحرية ولا قدرته على النهوض.

 

 

 عضو نقابة الصحفيين المصرية ورئيس تحرير جريدة الشرق الأوسط الإخبارية

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment