رشيد ج. مينا
سوريا ولبنان دولتان عربيتان سيّدتان مستقلّتان، معترف بهما في الأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، وسائر الهيئات والمؤسسات العربية والدولية. تجمعهما أواصر التاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة، ويجمعهما أيضًا قدر الجوار الذي لا يمكن القفز فوقه أو تغييره.
لبنان لا حدود برية له إلا مع سوريا وفلسطين المحتلة، وسوريا شكّلت تاريخيًا الرئة التي يتنفّس منها لبنان وبوابته الطبيعية إلى عمقه العربي. ومن هنا، فإن قيام أفضل العلاقات بين البلدين، على أعلى درجات الأخوّة والتنسيق والتبادل، هو أمر طبيعي وبديهي، شرط الاحترام المتبادل، وعدم التدخّل في الشؤون الداخلية، واحترام الخِيار الشعبي لكل دولة في اختيار نظامها السياسي والاقتصادي وقياداتها.
لكن ما يجب أن يكون طبيعيًا لم يكن كذلك دائمًا. فالممارسات القمعية والإلغائية لنظام الأسد البائد، وما رافقها من وصاية وهيمنة وتحكّم في القرار اللبناني على مدى عقود، خلّفت جراحًا عميقة وكراهية مبرّرة لدى شريحة واسعة من اللبنانيين. وهي حقيقة لا يجوز القفز فوقها أو تبريرها أو إعادة إنتاجها تحت أي عنوان.
ومع انتصار إرادة الشعب السوري في إسقاط نظام الاستبداد، كان يُفترض أن تُفتح صفحة جديدة قائمة على الندية والاحترام المتبادل. إلا أن ما نشهده اليوم هو تصاعد محاولات زرع الفتنة بين الشعبين اللبناني والسوري، عبر منصّات إعلامية ووسائل تواصل تعبّر عن خطاب كراهية وعداء، أو عبر تهويل وتهديدات بعودة الوصاية والتدخل، أو عبر تحريض طائفي ومذهبي خطير.
كل ذلك لا يخرج في جوهره عن أهداف المشروع الصهيوني الساعي إلى تفجير المنطقة من داخلها، ودفع لبنان وسوريا إلى صراعات داخلية تُضعفهما وتُخرجهما من معادلة المواجهة، ودفع لبنان تحديدًا نحو خيارات تتناقض مع تاريخه وجغرافيته وانتمائه العربي، وتفتح الباب أمام إدخاله قسرًا في مسار التطبيع وما يُعرف بـ(السلام الإبراهيمي) خدمةً لأمن إسرائيل ومشاريعها التوسعية.
أما العنوان المرفوع اليوم تحت شعار «نزع سلاح حزب الله»، فلا يمكن فصله عن سياق أوسع، يتجاوز لبنان ليطال سوريا والمنطقة برمّتها، في إطار سياسة العصا والجزرة الأميركية، ومحاولات فرض توازنات جديدة تخدم أمن إسرائيل وتوسّعها، وتُسقِط أوهام إيران الإقليمية في الوقت نفسه. وهي سياسات لم تعد تنطلي على أحد، مهما تعدّدت أدواتها أو تبدّلت عناوينها.
إن ما يُطلب اليوم من اللبنانيين والسوريين هو أقصى درجات الوعي. فالفتنة هي السلاح الأخطر، والوحدة الوطنية في كل من لبنان وسوريا هي السلاح الأمضى في مواجهة ما يُحاك. وعلى حزب الله، إن كان حريصًا فعلًا على لبنان والطائفة الشيعية الكريمة، أن يُفَوّت الفرصة على المتربّصين، لأن حصرية السلاح بيد الدولة هي الضمانة الوحيدة لجميع اللبنانيين، ولأن لبنان كلّه مقاوم حين تكون الدولة قوية، عادلة، وسيدة قرارها.
إن الشيعة والسنة والمسيحيين والدروز والعلويين، وسائر المذاهب والطوائف في لبنان، مستهدفون من إسرائيل، لا لأنهم طوائف، بل لأن نموذج العيش الوطني في لبنان، بتنوّعه وحريته، يتناقض جذريًا مع طبيعة الكيان الصهيوني وأهدافه.
الحذر، ثم الحذر، من الانجرار إلى الفتن، ومن السقوط في الأفخاخ الإسرائيلية مهما تغيّرت عناوينها. فما يُراد للمنطقة ليس أمنًا ولا سلامًا، بل تفكيكًا وانقسامًا دائمين. أما الطريق الوحيد للحماية، فهو وعي الشعوب، ووحدة الداخل، واحترام السيادة، وبناء الدولة القادرة في لبنان وسوريا، بعيدًا عن الوصاية، وبعيدًا عن المشروعات الخارجية التي لا ترى فينا إلا ساحات صراع.












01/26/2026 - 20:49 PM
.jpg)




Comments