زيارة قائد الجيش إلى واشنطن السيادة أولًا… والباقي تفاصيل

01/26/2026 - 13:02 PM

Bt adv

 

 

 

رشيد ج. مينا

ينصّ القانون بوضوح على أن قائد الجيش، القائد الأعلى للقوات المسلحة، يمارس الصلاحيات التالية:

أولًا: القيادة العليا المباشرة لهيئات الأركان، والمدارس، والمؤسسات، والقطع، والمصالح كافة للقوى البرية والجوية والبحرية التابعة لوزارة الدفاع الوطني.

ثانيًا: تحديد الجداول العددية للجيش لمختلف الرتب، واستكمال العدد ضمن حدود الاعتمادات المرصودة.

كما تنصّ التشريعات النافذة لتنظيم وزارة الدفاع الوطني، ولا سيما في مادتها الأولى، على أن الوزارة تُكلَّف بإعداد وسائل الدفاع المسلّح لحماية أراضي الجمهورية، والمحافظة على سلامة الدولة من أي اعتداء داخلي أو خارجي، وبإعداد الأمة لأداء واجب الذود عن البلاد.

هذا التذكير ليس تفصيلًا قانونيًا، بل مدخلٌ ضروري لفهم الزيارة المتوقعة لقائد الجيش إلى الولايات المتحدة الأميركية، تلك الزيارة المؤجَّلة التي رافق تأجيلها الكثير من اللغط والتحليلات حول أسباب التأجيل، وأهدافه، وترتيبات الموعد الجديد، وما يُعوَّل عليها سياسيًا وعسكريًا.

وهنا، لا نقاش في أهمية قائد الجيش ولا في الدور الوطني الذي يقوم به الجيش اللبناني في واحدة من أدق وأصعب المراحل منذ عقود، ولا في السيرة المهنية للجنرال رودولف هيكل الذي يثبت يومًا بعد يوم حكمةً وكفاءةً في القيادة.

لكن السؤال المشروع والضروري هو:

ما طبيعة هذه الزيارة؟ وبأي صفة تتم؟

هل يزور قائد الجيش واشنطن بصفته موفدًا عن رئيس الجمهورية؟

أم عن رئيس الحكومة؟

أم عن وزير الدفاع؟

أم بصفته قائدًا لمؤسسة عسكرية وطنية يفترض أن يكون قرارها مندرجًا حصرًا ضمن القرار السيادي اللبناني؟

صحيح أن الولايات المتحدة تقدّم مساعدات للجيش اللبناني، لكنها تبقى محدودة وغير فاعلة، ولا ترقى إلى مستوى الدعم الجدي الذي يحتاجه جيش دولة تتعرض للاعتداء وتعيش على تماس دائم مع خطر الانفجار الأمني والسياسي. وفي المقابل، لا تتوقف زيارات الموفدين الأميركيين إلى لبنان، ولا تتوقف الضغوط السياسية، ولا تتغيّر المقاربة الأميركية التي تُبقي لبنان في دائرة إدارة الأزمة بدل المساهمة الفعلية في حلّها.

إن مسألة الجيش اللبناني، ودوره، وتركيبته، وطبيعة حركته، هي مسألة مرتبطة بالسلطة السياسية اللبنانية وقراراتها السيادية، لا بالقرار الأميركي ولا بحسابات الخارج. والخلل القائم لا يُعالج بتكثيف الزيارات ولا بتدوير الزوايا، بل بمراجعة جذرية للسياسات الدولية تجاه لبنان.

وهنا تحديدًا، ينبغي قول الأمر بوضوح:

لبنان ليس تفصيلًا في الاشتباك الأميركي–الإيراني، ولا يجوز أن تُدار العلاقة الأميركية مع لبنان على قاعدة “رسائل” متبادلة في صراع أكبر.

أي مقاربة تجعل لبنان ملحقًا بصراع واشنطن مع إيران هي مقاربة تُنتج وصايةً مقنّعة لا دعمًا.

فربط الملف اللبناني بصراع واشنطن مع إيران يعني عمليًا تحويل لبنان إلى ساحة اشتباك غير مباشر، وإبقاء دولته رهينة أولويات خارجية، بدل التعامل معه كدولة ذات سيادة لها حقوق واضحة: أمنها، أرضها، استقرارها، وبناء مؤسساتها.

المطلوب من الولايات المتحدة ليس مزيدًا من النصائح ولا الشروط ولا الوعود، بل الضغط الجدي على إسرائيل لوقف عدوانها المتواصل، والانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة، وإطلاق سراح الأسرى، وتنفيذ القرار 1701 المتعثر منذ عام 2006، بدل استخدامه أداة ضغط انتقائية.

كما أن المطلوب من الولايات المتحدة أولًا، ومن الدول الأخرى ثانيًا، دعم حقيقي وغير مشروط يساعد على بناء الدولة، لا على إدارة الانهيار، وعلى الانتقال من منطق احتواء الأزمات إلى معالجتها فعليًا، على أسس الوحدة الوطنية لا الطائفية ولا المذهبية.

وفي الداخل، لا قيام لدولة من دون حصرية السلاح بيدها وقواها الشرعية، ولا إنقاذ من دون حوار لبناني متوازن ومتكافئ، يهدف إلى التفاهم وتنفيذ ما يجب، وتطوير ما يجب تحت سقف الدولة ومؤسساتها، لا خارجها ولا على حسابها.

الجيش اللبناني ليس أداة تفاوض

ولا قائده موفدًا سياسيًا، ولا المؤسسة العسكرية ورقة في بازار الصراعات الإقليمية.

الجيش مؤسسة وطنية، وقراره يجب أن يبقى محكومًا بالإرادة اللبنانية وحدها، لا بالإملاءات ولا بالضغوط ولا بالارتباطات الخارجية.

ومن يريد دعم لبنان، فليدعمه كدولة لا كملف: بوقف العدوان، وبفرض تنفيذ القرارات الدولية، وبمساعدة تعزّز السيادة لا تُفرغها من مضمونها.

أما إبقاء لبنان ساحة، وربطه باشتباكات الآخرين، فلن ينتج إلا مزيدًا من الانهيار.

السيادة لا تُستجدى،

والجيش لا يُستعمل،

والوطن لا يُدار من الخارج…

إما دولة كاملة، أو لا دولة.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment