عزفٌ منفرد على ايقاع نقيق الضفادع .

01/26/2026 - 12:35 PM

secureaisystems

 

 

د. أنور ساطع أصفري

سرتُ تائهًا في أزقّةٍ ولهى، تحنّ إلى بسمةٍ، إلى وردةٍ جوريةٍ، وإلى همسةِ حب. تخيّلتُ أمامي الأرض بمعطياتها ومطبّاتها، وتراءت لي كمستنقعٍ بالجراح التي تحملها.

فكرةٌ حرةٌ أنا، لزمنٍ مثقوب الرؤى، لزمنٍ يتآكل كالمقالات في الجرائد، ومثل بابٍ يُصدر أزيزًا قاسيًا ومؤلمًا أحيانًا. أحمل في قلبي وردة، ويسكن روحي طيرٌ صغير. أنا الأبجدية الهشّة التي لا وزن لها ولا قافية، أنا اللوحة التي لا تزال في منتصف الطريق، أنا البوصلة الشقيّة التي تاهت بين الشمال والجنوب.

الرحمة لنفوسٍ شوّهتها السياط. أبحث عني فلا أجدني؛ لقد هرستني الأقدام عشرات السنين، مجبولةً بالأحلام.

فرشتُ درب القمر بالورد والنعناع، بالزعتر البري والحبق والريحان، فأزهر العشق كمواسم الزيتون وبيّارات الليمون.

ركضتُ وراء سرابٍ هشّ، كاد أن يوصلني إلى ماهيّة الحياة عند البشر، أو عند مخلوقات أخرى. ابتسمتُ بسخريةٍ جادّة، فتراءى أمامي مستنقعٌ مليءٌ بالحياة والحركة رغم ركوده… على الأقل هكذا يقول علماء البراكين والأحياء.

عدتُ إلى غرفتي اليتيمة، جلستُ، وضعتُ رأسي بين كفّي، وأنا أحاول أن أتحقّق ممّا يدور في خلدي. فالفقراء لهم نصيبٌ من الشمس والهواء، من الرمال، من الليل والغزل الخجول وأمواج البحر. لهم نصيب من الأغنيات والإيقاع والفرح العابر، ولهم نصيب من الأبجدية والكلمة، كما لهم نصيب من الرصاص والموت المجاني الذي لا يشاركهم فيه أحد.

شهقتُ، تلعثمت كلماتي، ذهبتُ بعيدًا. أيقنتُ أن المستنقعات هي بلاد الضفادع والبعوض والديدان والعصافير المتصيّدة، والجراثيم والبكتيريا، إضافة إلى الأعشاب الشوكية المتسلّقة التي تسوّر هذا الوطن المستنقع العجيب.

فما يحدث هنا، تمامًا كما يحدث هناك؛ فالأفاعي تتلذّذ بالتهام الضفادع، وكلما وقع ضفدعٌ صريعًا بين أنياب إحدى الأفاعي، ترفع الضفادع صوتها لتخيف الأفاعي التي لا تسمع. وهكذا تستمر الأفاعي في التهام الضفادع، بينما تمارس الضفادع حقّها في الاحتجاج والنقيق، وكأنها تطلب من كل أحياء المعمورة أن يضعوا حدًا لهذه التعدّيات، وأن يُلزموا الأفاعي باحترام حقّ المخلوقات في العيش بسلامٍ وأمان.

ضحكتُ لأفكاري الانسيابية، وهممتُ أن أغوص في العمق أكثر، إلا أن صديقتي السمراء فاجأتني قائلة:

"لعلك تأتي فأُقفل باب الرحيل."

نظرتُ إلى أعماق عينيها عبر مرآةٍ حزينة، فتحتُ نافذةً نحو ذاكرةٍ لا تُغلق ولا تصدأ، وتمتمتُ بصخب:

"لم أجد لعشقكِ حلًا… إلا أن أعشقكِ أكثر."

وتابعت:

هل تعلمين يا صديقتي أن التذوّق صعب، بل مستحيل؟ طعمٌ برائحة الجريمة ونكهة الكراهية، ومذاقٌ بالصدمة والوجع. نعم، أحنّ إلى رائحة الكبريت والحطب المحترق؛ فهذه الرائحة تعيدني إلى بيت جدي، إلى القرية، تعيدني إلى العزّ الذي رحل بعدما تشوّه وحمل معه رائحة الموت.

ارتجفت، تغيّرت ملامح وجهها، انفعلت، وانتفضت قائلة:

"عن ماذا تتحدث؟"

قلت:

لا، لن يغتالني الصمت. أرتدي حروف الأبجدية، أثني أطرافها الفضفاضة على كل جوانبي ومسامات جسدي، وأتحدث عمّا يحدث. ولأنني كذلك، ابتعدوا عني، وأصبحتُ شبيهًا بداءٍ معدٍ. وعندما كنتُ أتابع المسير، شعرتُ بأنني أشبه بمن يقود دراجةً صدئة، صريرها ينخر الرأس والجسد.

زاد انفعالها، كادت تصرخ، أشارت بيدها وقالت:

"أرجوك، لا تراوغ معي… هل أنت بخير؟ عن ماذا تتحدث؟"

قلت:

ثقي يا صديقتي… إن قلبي وطنٌ لصديق، وأنتِ وطني. طيلة هذا اليوم كنتُ أتحدث مع نفسي عن وطن المستنقعات، والضفادع والأفاعي، والبعوض والأعشاب المتسلّقة.

صارحتها بأفكاري، شرحتُ لها كل ما يدور في خلدي وما أحاول الوصول إليه.

ابتسمت ابتسامة صاخبة، ضحكت، رقصت تعابير وجهها، ثم قالت وهي تتحسس صدرها:

ما ينتابك من مشاعر قلقة ينتابني أيضًا. وثق أن هذه الضفادع، شئنا أم أبينا، هي تمامًا كأجهزة إعلامٍ ناطقة باسم مجتمع المستنقع. ومن خلال صراخها تروي واقعها وتاريخ مستنقعها، وكأن لسان حالها يقول:

"إن مستنقعنا مليء بالمياه الآسنة، محكوم بأسراب البعوض الذي يمتصّ دماء مواطني المستنقع، وبالأعشاب اللزجة المتسلّقة."

استدارت، تراجعت، تمتمت بكلمات مبهمة، ابتسمت، ثم قالت:

لا، لن يذيبوا شمعة الأمل من عيني، ولن أدعهم ينامون على صدري كهمٍّ ثقيل. فالحياة وحدها تستحق طقوس مخاضٍ لولادةٍ جديدة. لذا سأنسج من حنيني فرحًا جديدًا، ولن أمتطي قلقي بعد اليوم. تأكّد يا صديقي أن المستنقع معرّض لفوراتٍ بركانية، تقذف حممها بعيدًا، لتشيّد الجبال والتلال والوديان، وتعطي للأرض خصوبتها، وللطبيعة جمالها ورونقها. وعندما يثور بركانٌ ما، فإنه يعيد كتابة التاريخ بشكلٍ آخر.

ضحكت، التفتت إليّ بعيونٍ زائغة لا هدف لها.

تمدّد الوجع على خاصرتي، ومن أعماق الصدر تدلّى حزنٌ أحمق. داهمني صوت فيروز المعتّق بعبق الياسمين، مع التراب الأحمر، ومع الزيتون والزعتر البري والزنبق… كلهم في قلبي، مثل التوحيد والكوثر.

افتعلت حركة مضحكة بيدها، تلاها ضحك هستيري من أعماق قلبها حتى علا صوتها بإيقاعٍ صاخبٍ مبعثر. وفجأة صمتت بشكلٍ عشوائي وقالت:

"كي لا يفقد الطير صوابه… هل تعرف ماذا تقول الضفادع في سرّها عندما تكفّ عن النقيق وتصمت؟"

قلت دون تردد: لا.

ابتسمت ابتسامة مفتعلة وقالت:

"تدعو ربها ألا يثور البركان من جديد."

 

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment