كتب أيوب بوتشيش
رياح التغيير تعبر الحدود
بينما كانت طهران تبارك رياح التغيير في عواصم العرب عام 2011، لم تكن تعلم أن شعلة "الربيع" ستعبر الحدود لتستقر في قلب الميادين الإيرانية، محولةً صور "المقدس" إلى رماد، وهتافات "التأييد" إلى صرخات “ارحل
من كان يظن أن ربيع الشعوب قد انتهى مع ثورات 2011 فهو حتمًا مخطئ. فالمفارقة التاريخية تتجلى اليوم في إيران؛ إذ بعد أن وصف المرشد الأعلى علي خامنئي حسني مبارك بالعميل الصهيوني في محاولة لتأجيج الشارع المصري، ارتدّ المشهد على طهران نفسها. فالداخل الإيراني يشهد منذ مدة حالة احتقان حاد، نتيجة اقتصاد مختنق وتضييق ممنهج على الحريات من قبل نظام ثيوقراطي، تفاقم بفعل العقوبات الاقتصادية المتتالية التي دفعت البلاد إلى شبه عزلة دولية، وتسببت في انهيار غير مسبوق لقيمة الريال الإيراني، حيث بلغ سعر الدولار الواحد نحو 1.45 مليون ريال في السوق المفتوحة منتصف يناير الجاري
العزل الاقتصادي": الاستراتيجية الأمريكية لفرملة الصين وحلفائه
تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية الصين "المنافس الأول"، ولذلك تحاول جاهدة فرملة اقتصادها الذي يعتمد أساسًا على الطاقة. رغم مجهودات بكين الحثيثة لتأمين سلسلة الإنتاج عبر مصادر الطاقة، إلا أنها لا تزال بحاجة ماسة للنفط الذي تؤمنه لها كل من فنزويلا وإيران ودول أخرى.
على الرغم من السياسة الجبائية والقيود التجارية التي انتهجتها واشنطن تجاه الصين خلال السنوات الأخيرة، والتي هدفت إلى تقليص الفائض التجاري الصيني والحد من تمدده الصناعي والتكنولوجي، فإن هذه الإجراءات لم تحقق النتائج المرجوة، بل أظهرت محدودية فعاليتها في كبح الصعود الاقتصادي الصيني.
نتيجة لذلك، اتجهت الإدارة الأمريكية إلى تبني مقاربة أكثر تعقيدًا وذات طابع جيوـاقتصادي، تتمثل في توظيف ورقة "العزل الاقتصادي" كأداة ضغط استراتيجية.
وتقوم هذه المقاربة على إضعاف الدول الموردة للطاقة التي تربطها علاقات اقتصادية واستراتيجية متنامية مع بكين، ولا سيما في قطاع النفط والغاز، باعتبار هذا القطاع أحد الأعمدة الحيوية لاستمرار النمو الاقتصادي الصيني. ويتم ذلك عبر مزيج من الضغوط المباشرة وغير المباشرة، تشمل الهجوم الخفي أو العلني على المصالح الصينية في هذه الدول، وتشديد العقوبات الاقتصادية، إضافة إلى العمل على زعزعة الاستقرار السياسي والاجتماعي في البلدان المصدّرة للنفط، بما يؤدي إلى تعطيل سلاسل الإمداد الطاقي ورفع كلفة الاعتماد الصيني على هذه الموارد.
وبهذا، يتحول "العزل الاقتصادي" من مجرد أداة عقابية تقليدية إلى استراتيجية شاملة تستهدف البنية التحتية للطاقة العالمية، وتوظف التفاعلات الجيوسياسية الإقليمية لخدمة أهداف المنافسة الكبرى بين الولايات المتحدة والصين.
من كراكاس إلى طهران: لجم الاندفاع
لقد أفرزت الأيام القليلة الماضية أحداثًا غير مسبوقة في العلاقات الدولية، من بينها أن يأمر رئيس دولة ذات سيادة بتوقيف رئيس دولة أخرى ذات سيادة، دون أي اكتراث بمقتضيات القانون الدولي أو بالأعراف الدبلوماسية المستقرة.
ويتجلى ذلك بشكل حرفيا فيما أقدم عليه "رجل أمريكا الأول" بحق الرئيس الفنزويلي مادورو، حيث وُجّهت له اتهامات وطُرحت مسألة محاكمته في نيويورك، في خطوة تمثل خرقًا صارخًا لقواعد القانون الدولي، وتكشف عن مسعى واضح لوضع اليد على الثروة النفطية الهائلة التي ترتكز عليها فنزويلا، في إطار استراتيجية تهدف إلى عزل الصين عن أحد أهم مصادر إمدادها بالطاقة.
واليوم، يأتي الدور على إيران، الحليف الاستراتيجي للصين، في محاولة لكبح جماح "التنين الصيني" عبر استهداف أحد أبرز مرتكزاته الجيوسياسية. فطهران تمثل محورًا حيويًا ضمن ما يُعرف بـ"محور الشرق"، المتقارب مع كل من الصين وروسيا، كما أن استمرارها الإقليمي بصلاحياتها الحالية يُنظر إليه في واشنطن بوصفه تهديدًا مباشرًا لأمن إسرائيل، الحليف الأول للولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
وفي هذا السياق، يُنظر إلى نظام "ولاية الفقيه" في التصور الأمريكي على أنه مصدر دائم لعدم الاستقرار الإقليمي، لما يُحدثه من توترات وبؤر صراع في المنطقة فيما تمتلك إيران إمكانية ممارسة الضغط من خلال موقعها الجيوسياسي في مضيق هرمز، باعتباره أحد أهم الممرات الحيوية لإمدادات الطاقة العالمية وأداة محتملة لإعادة ضبط موازين القوة الجيوـاقتصادية.
المواقف الدولية وحسابات المصالح
تواصل إدارة ترامب تحركاتها الرامية إلى دفع الشارع الإيراني نحو مزيد من الاحتجاجات، في إطار مقاربة تقوم على توظيف الضغوط الداخلية لمواجهة ما تصفه بـ"الاستبداد". وتندرج هذه الاستراتيجية ضمن منطق التأثير غير المباشر على بنية النظام السياسي الإيراني، دون الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة.
وفي المقابل، تتباين مواقف القوى الدولية الكبرى تبعًا لاختلاف مصالحها الاستراتيجية وحساباتها الجيوسياسية
الصين: تدعو إلى ضبط النفس والحفاظ على الاستقرار الداخلي في إيران، لا انطلاقًا من اعتبارات إنسانية أو ديمقراطية، بل بدافع القلق من أي اضطراب قد يؤدي إلى عرقلة أحد أهم خطوط الإمداد النفطي العالمية. إيران تُعد من بين الدول الثلاث الأولى عالميًا من حيث احتياطي النفط بعد فنزويلا والسعودية، وهو ما يجعل استقرارها عنصرًا حاسمًا في أمن الطاقة الصيني.
روسيا: تبرز كحليف استراتيجي رئيسي لطهران، إذ لطالما حذرت القيادة الإيرانية من تداعيات سقوط النظام، باعتباره يشكل ركيزة أساسية في منظومة التوازنات الإقليمية والدولية، لا سيما في مواجهة النفوذ الغربي. يمثل بقاء النظام الإيراني ضمانة لاستمرار محور سياسي وأمني يصعب التفريط فيه ضمن صراع النفوذ العالمي.
مستقبل النظام وسيناريوهات التحول
تعاني إيران من تعددية إثنية وتنازع نزعات هوياتية وراديكالية متعددة، تشمل الأكراد، والبلوش، وعرب الأهواز. ورغم الانتقادات الواسعة الموجهة إلى النظام القائم، فإنه لا يزال يؤدي دورًا مركزيًا في الحفاظ على قدر من التماسك بين هذه المكونات، ما يحدّ من احتمالات التفكك الداخلي في المدى القريب.
يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل النظام السياسي الإيراني
سقوط النظام
يُعد هذا السيناريو مستبعدًا في المرحلة الراهنة، نظرًا للرمزية العقائدية التي تستند إليها "ولاية الفقيه"، حيث يكتسب المرشد الأعلى مكانة دينية وسياسية تمنحه نوعًا من "العصمة الرمزية"، ما يجعل الخروج عليه أمرًا بالغ الصعوبة، خاصة لدى الفئات المتدينة والمرتبطة أيديولوجيًا بالنظام.
افي حال تحقق سيناريو الانهيار، قد يفتح ذلك المجال أمام صعود تيار ليبرالي في قطيعة تامة مع النظام الديني. وقد يمهد هذا التحول لتقارب مع الغرب، على غرار مرحلة حكم الشاه بهلوي، وإعادة إدماج إيران في الأسواق العالمية ورفع القيود الاقتصادية المفروضة عليها.
استمرار النظام
يبقى هذا السيناريو الأكثر ترجيحًا، بالنظر إلى العوامل البنيوية والسياسية والعقائدية التي تمنحه قدرة عالية على الصمود. يقوم النظام على شرعية مركّبة تمزج بين البعد الديني والبعد الثوري، إضافة إلى شبكة مؤسسات أمنية وعسكرية، وعلى رأسها الحرس الثوري. كما أن النظام أظهر قدرة على امتصاص الصدمات الداخلية وإعادة توجيه الغضب الشعبي نحو "العدو الخارجي"، ويستفيد أحيانًا من العقوبات الدولية لتعزيز خطاب المظلومية والحصار.
تلعب التوازنات الدولية دورًا حاسمًا في ضمان بقاء النظام، إذ ترى كل من الصين وروسيا في استمراره عنصرًا أساسيًا في كبح النفوذ الغربي، في حين يفضل العديد من الفاعلين الدوليين خيار "الاستقرار النسبي" على المجهول في حال سقوطه
في ضوء هذه المعطيات، يتضح أن المشهد الإيراني يقف عند مفترق طرق دقيق، تتقاطع فيه الأزمات الداخلية مع رهانات الصراع الجيوـاقتصادي الدولي. فبين ضغوط اقتصادية خانقة، واحتقان اجتماعي متصاعد، وتوازنات دولية معقدة، يجد النظام الإيراني نفسه أمام تحديات بنيوية عميقة تختبر قدرته على الاستمرار وإعادة إنتاج شرعيته.
غير أن مستقبل إيران لا يتحدد فقط بعوامل الداخل، بل يظل رهينًا أيضًا بحسابات القوى الكبرى، ولا سيما في ظل التنافس الأمريكي-الصيني، حيث تتحول أدوات الاقتصاد والطاقة والممرات الاستراتيجية إلى عناصر حاسمة في رسم ملامح المرحلة المقبلة. وفي هذا السياق، تبقى إيران فاعلًا لا يمكن تجاوزه، سواء بوصفها ساحة صراع غير مباشر، أو طرفًا يمتلك أوراق ضغط جيوسياسية مؤثرة.
وعليه، فإن أي تحول في الداخل الإيراني، سواء نحو الاستقرار أو التغيير، لن تكون انعكاساته محلية فحسب، بل ستتجاوز حدود الدولة لتطال موازين القوة الإقليمية والدولية في النظام الدولي المعاصر.
* باحث ومختص في التواصل السياسي












01/26/2026 - 12:06 PM





Comments