رشيد ج. مينا
أضحى الحديث عن التغيير في لبنان أشبه بقصّة إبريق الزيت في الحكاية الشعبية المتداولة؛ حكاية تُروى بلا نهاية، وتُكرَّر بلا حل، وتُستخدم لتوصيف مشكلة تدور في حلقة مفرغة. فكيف يمكن الحديث عن تغيير ديمقراطي عبر صناديق الاقتراع، فيما الإصرار مستمر على قانون انتخابي مفصّل على قياس قوى المحاصصة نفسها، تلك القوى التي تتحمّل مسؤولية الخراب والدمار والانهيار الاقتصادي، ونهب مقدّرات الدولة، واستشراء الفساد، وصولًا إلى سرقة العصر التي جرى تمييعها وتحويلها لغويًا إلى ما سُمّي زورًا «أزمة المودعين»؟
ما يُطرح اليوم لا يتجاوز حدود الخديعة المتجدّدة، تحت عنوان «إجراء الانتخابات في موعدها التزامًا بالدستور». وهو أمر مضحك مبكٍ في آن، خصوصًا أن هذا الدستور نفسه خضع لعشرات التعديلات عبر العقود، تحت ذرائع «المصلحة الوطنية» كلما اقتضت الحاجة السياسية ذلك.
فالحرص الحقيقي على الدستور لا يكون بتقديس النصوص عند الطلب، بل بالعمل بما يخدم المصلحة الوطنية فعلًا، والاستماع إلى صوت الشعب، وجعل التعبير عن إرادته ممكنًا وفاعلًا. وهذا لا يتحقق إلا عبر قانون انتخابي جديد يؤمّن صحة التمثيل، ويحفّز المشاركة الشعبية، بدل إعادة إنتاج الطبقة نفسها والتوازنات نفسها.
لا شك أن الدعم الدولي، والرعاية العربية، ووقف العدوان الإسرائيلي، وتحقيق الانسحاب، والعودة إلى اتفاقية الهدنة، وحصر السلاح بيد القوى الشرعية، وتحقيق السيادة، كلها عناوين أساسية. لكن الخروج من نفق خمسة عقود من الأزمات لا يمكن أن يبدأ إلا من باب الإصلاح السياسي.
والمدخل الطبيعي لهذا الإصلاح هو قانون انتخابي جديد، يُصاغ عبر حوار جدي بين أهل الاختصاص، ثم يُعرض على استفتاء شعبي، تلتزم الحكومة ومجلس النواب بنتائجه، نزولًا عند إرادة الشعب، باعتباره صاحب السلطة والقرار.
فكيف يمكن الحديث عن تغيير، فيما لا يمكن تطبيق كامل ما جاء في وثيقة الوفاق الوطني في الطائف؟
وكيف يمكن بناء الثقة، فيما يُمنع إنجاز قانون انتخابي يحقّق صحة التمثيل؟
كفى خداعًا وهروبًا إلى الأمام.
إن مصداقية أي سلطة، وأي حكومة، وأي عهد، باتت على محك هذه الخيارات. ومن دونها، سيبقى التغيير في لبنان… مجرّد إبريق زيت آخر.












01/26/2026 - 06:35 AM





Comments