د. إسماعيل المسلماني *
ما يجري اليوم على الساحة الدولية لا يمكن فهمه كتحركات متفرقة أو ردود فعل آنية على أزمات متراكمة، بل كجزء من مشروع أمريكي متكامل لإعادة هندسة النظام الدولي. هذا المشروع لا يسعى إلى إصلاح المؤسسات القائمة، بل إلى تفريغها من مضمونها واستبدالها بأطر بديلة، مرنة شكليًا، وخاضعة فعليًا لإرادة القوة. انسحابات دونالد ترامب المتكررة من مؤسسات دولية، أو تعطيلها عبر التمويل والضغط السياسي، لم تكن نزعة انعزالية، بل خطوة محسوبة لنزع الشرعية عن أي إطار قد يقيّد القرار الأمريكي أو يضع إسرائيل تحت المساءلة القانونية.
في هذا السياق، يبرز ما يُسمّى بـ«مجلس السلام» كأداة سياسية جديدة تُقدَّم بواجهة إنسانية، لكنها في الجوهر بديل وظيفي للأمم المتحدة. مجلس لا يستند إلى قرارات دولية، ولا يعترف بالاحتلال كجذر للصراع، ولا يُحمّل القوة المسيطرة أي مسؤولية. هو سلام بلا سيادة، وعدالة مُؤجلة إلى أجل غير مسمّى، وإدارة للصراع بدل حله. هنا يُعاد تعريف السلام كمنظومة تهدئة، ومساعدات مشروطة، وترتيبات أمنية، دون أي التزام بحقوق سياسية أو تقرير مصير.
التوقيت ليس تفصيلاً. فالولايات المتحدة تدرك أن النظام الدولي التقليدي لم يعد يعمل لصالحها كما في السابق. صعود الصين وروسيا، واستخدامهما المتزايد لأدوات التعطيل داخل المؤسسات الدولية، إضافة إلى الانكشاف الأخلاقي الكبير للغرب بعد حرب غزة، كلها عوامل دفعت واشنطن إلى تجاوز الشرعية بدل الدفاع عنها. بدل انتظار توافق دولي مستحيل، تُنشئ أمريكا مسارات موازية تعمل خارج القانون الدولي وتُسوَّق بوصفها “واقعية”.
القضية الفلسطينية تقع في قلب هذا التحول. شطب الأونروا يعني شطب تعريف اللاجئ، وليس مجرد وقف تمويل. الحديث عن مجالس أو لجان لإدارة غزة أو إعادة إعمارها يعني تجاوز التمثيل الوطني الفلسطيني وتحويل القضية من مسألة تحرر وطني إلى أزمة إنسانية دائمة. فلسطين هنا ليست استثناءً، بل حقل تجارب: إدارة السكان بدل إنهاء الاحتلال، وتحسين شروط الحياة بدل ضمان الحقوق.
في هذا المشهد، يأتي دخول بنيامين نتنياهو كعنصر مركزي في المعادلة. نتنياهو لا يمثل فقط حكومة يمينية متطرفة، بل نموذجًا سياسيًا مثاليًا لهذا النظام الجديد: قائد مأزوم داخليًا، ملاحق قضائيًا، يحتاج إلى حرب بلا أفق سياسي ليستمر. في المقابل، تحتاج واشنطن إلى شريك لا يؤمن بالقانون الدولي، ومستعد لفرض الوقائع بالقوة وتجريب أطر بديلة للشرعية. من هنا، يصبح نتنياهو جزءًا من المشروع لا عبئًا عليه، ويغدو التصعيد أداة بقاء سياسي لا مجرد خيار أمني.
السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول: فرض «مجلس السلام» كأمر واقع، مع إدارة غزة عبر ترتيبات أمنية–إنسانية طويلة الأمد، دون حل سياسي، وتحويل الصراع إلى حالة تجميد مزمنة.
السيناريو الثاني: فشل النموذج بسبب الرفض الشعبي الفلسطيني، وتآكل الشرعية الإقليمية، ما يدفع نحو مزيد من العنف وعودة الصراع إلى نقطة أكثر انفجارًا.
السيناريو الثالث: توسّع النموذج ليشمل أزمات أخرى في المنطقة، ما يكرّس عالمًا تُدار فيه القضايا خارج القانون الدولي، وتتحول فيه المؤسسات إلى واجهات شكلية.
الخلاصة أننا لا نتجه نحو نظام عالمي جديد أكثر عدلًا، بل نحو فوضى مُدارة تُستبدل فيها الشرعية بالقوة، والسياسة بالإدارة. وما يُسمّى «مجلس السلام» ليس بوابة استقرار، بل اختبارًا خطيرًا لمستقبل العالم: إما استعادة القانون الدولي، أو القبول بعالم تحكمه القوة وحدها، حيث يصبح السلام مجرد اسم آخر لهزيمة مؤجلة.
* مختص بالشان الإسرائيلي












01/25/2026 - 20:16 PM





Comments