شرعة حقوق الإنسان في عالم اليوم

01/25/2026 - 20:13 PM

secureaisystems

 

 

بقلم الأب ألبر حبيب عسّاف

بين الذاكرة التاريخية وتحديات العصر الرقمي

عقب الحرب العالمية الثانية، وفي ظل الصدمة الإنسانية العميقة التي خلّفتها أفظع الحروب في تاريخ البشرية، وخصوصًا بعد الدمار الشامل الذي لحق بأوروبا واليابان، وما رافقه من استخدام السلاح النووي في هيروشيما وناغازاكي، وُلدت فكرة إنشاء منظمة دولية جديدة تمثّل الجماعة الدولية بأسرها، هي منظمة الأمم المتحدة، بديلًا عن عصبة الأمم التي فشلت في منع الانزلاق إلى الكارثة.

لم يكن تأسيس هذه المنظمة، ومعها مجلس الأمن الدولي، مجرّد إجراء إداري أو سياسي، بل شكّل محاولة جريئة لإرساء نظام عالمي جديد يقوم على مبدأ المساواة القانونية بين الدول، مهما اختلفت قدراتها العسكرية أو الاقتصادية أو مستوى نفوذها. وقد مثّل هذا التحوّل بداية أمل بعالم يُعلي من شأن العدالة، ويضع التنمية والسلام وكرامة الإنسان في صلب اهتمامه، ويتدخّل – نظريًا على الأقل – لوقف الحروب وحماية المدنيين عندما تقتضي الضرورة.

غير أنّ جراح الحروب لم تندمل سريعًا، ولا تزال آثارها ماثلة في الذاكرة الجماعية، ولا سيّما في أوروبا، حيث تُستعاد هذه الصفحات المظلمة سنويًا في مناسبات رمزية، كإحياء ذكرى إنزال النورماندي وتكريم من نجا من أهوال المعارك. إن هذه الطقوس التذكارية ليست مجرد احتفال بالماضي، بل تذكير دائم بثمن الحروب وبالهشاشة البنيوية للنظام الدولي.

إلا أنّ العالم اليوم يبدو وكأنه يقف أمام صدمة من نوع جديد، أو أمام امتحان ضمير عالمي قاسٍ. فبدل أن تتعزّز مكتسبات السلام وحقوق الإنسان، تتكاثر مظاهر القلق والخوف والارتباك حيال مستقبل البشرية: من سباق محموم نحو تطوير أسلحة أكثر فتكًا، إلى استغلال الإنسان في تجارب علمية وتجارية، مرورًا بإعادة رسم خرائط سياسية على حساب شعوب بأكملها، وصولًا إلى إذكاء صراعات إثنية وعرقية وطائفية لم تكن في السابق جزءًا من النسيج الاجتماعي أو من الوعي الجمعي.

في هذا السياق، يُطرح السؤال الجوهري: من هي القوى الخفية أو الظاهرة التي، رغم دروس حربين عالميتين، تعيد إنتاج العنف والتطرّف، وتقتل باسم الأديان أو المصالح، وتزرع البؤس في حياة الإنسان، وتطمس ذاكرة الشعوب، وتدمّر ثقافات الأجيال وحضارات الأمم؟ وكيف بات الإنسان، الذي يُفترض أنه غاية كل نظام سياسي وقانوني، مجرّد أداة أو رقم في معادلات النفوذ؟

ومع انتهاء الحرب الباردة، لم يدخل العالم بالضرورة عصرًا أكثر عدلًا أو توازنًا، بل بدا في كثير من الأحيان خاضعًا لهيمنة قطب واحد، أو لانقسام نفوذ غير معلن بين قوى كبرى، ما جعل حقوق الإنسان الأساسية في موقع هشّ وضعيف، خاضع للتأويل السياسي والانتقائية في التطبيق.

من هذا المنطلق، لا يهدف هذا المقال إلى مجرّد نقد سياسي أو خطاب احتجاجي، بل إلى مساءلة عميقة لمصير شرعة حقوق الإنسان نفسها، التي تبدو وكأنها تحوّلت، في الممارسة الدولية، إلى نصّ تراثي أو وثيقة محفوظة في متحف القيم، بعدما كانت تعبيرًا حيًّا عن ضمير إنساني عالمي، صاغته عقول آمنت بالخير العام وبالدفاع عن الكرامة الإنسانية بوصفها قيمة غير قابلة للتصرّف.

ألم يحن الوقت اليوم لإعادة النظر في حقوق الإنسان في ضوء التحوّلات العميقة التي يشهدها العالم؟ ألم يحن الوقت لتحديث هذه الشرعة بما ينسجم مع الثورة التكنولوجية والرقمية التي أعادت تعريف مفاهيم الحرية، والخصوصية، والتواصل، والمشاركة في الشأن العام؟

في عصر الإنترنت، لم يعد الحق في التواصل الرقمي ترفًا أو امتيازًا تقنيًا، بل بات شرطًا أساسيًا لممارسة حقوق أخرى: حرية التعبير، والحق في الوصول إلى المعلومات، والحق في التعليم، والعمل، والمشاركة السياسية. إن حرمان الأفراد أو المجتمعات من الوصول العادل والآمن إلى الإنترنت يشكّل شكلًا جديدًا من أشكال الإقصاء، ويُنتج مواطنة منقوصة في عالم باتت فيه الحياة العامة والاقتصادية والثقافية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالفضاء الرقمي.

كما أنّ حماية الخصوصية الرقمية، وضمان أمن البيانات الشخصية، ومكافحة الرقابة التعسفية والتضليل المنهجي، باتت جميعها عناصر لا تنفصل عن كرامة الإنسان في القرن الحادي والعشرين. فالإنسان اليوم لا يعيش فقط في فضاء مادي، بل في فضاء افتراضي يؤثّر بعمق في وعيه وحريته ومستقبله.

إن تحديث شرعة حقوق الإنسان لا يعني نسف مبادئها، بل إعادة تفعيلها وتوسيع أفقها، بحيث تضع حدًا لتفرّد الأقوى في إدارة موارد ألأضعف، أو في تقرير مصير وجوده، أو في التحكّم بأدوات المعرفة والتكنولوجيا التي تشكّل العمود الفقري لعالم الغد.

بين هذه اليقظة الفكرية واللحظة الواقعية للتغيير، يبقى الأمل معقودًا على وعي الشعوب، وعلى أصوات الأحرار في العالم، بوصفهم الخزّان الأخير لذاكرة الإنسانية الحيّة. فالتاريخ لم يُصنع فقط على أيدي الجبابرة، بل أيضًا – وربما أساسًا – على أيدي أولئك الذين رفضوا الصمت، ودافعوا عن الإنسان حين كان الدفاع عنه فعل شجاعة.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment