رشيد ج. مينا
السؤال الذي يتصدّر المشهد اليوم لم يعد مجرّد استفسار سياسي، بل تحوّل إلى وجع يومي يثقل كاهل اللبنانيين: إلى متى سيستمرّ العدوان الإسرائيلي على لبنان؟
منذ اتفاقية الهدنة عام 1949، لم يعرف لبنان سوى سلسلة متواصلة من الحروب والاجتياحات والاعتداءات والخرق المنهجي لسيادته. تعدّدت الاتفاقات وتكاثرت الوعود، وآخرها ما سُمّي «وقف الأعمال العدائية» عام 2006 والعمل على التطبيق الكامل للقرار 1701، لكن الحقيقة الواضحة أن العدوان لم يتوقف يومًا.
إسرائيل تتحرك بلا رادع فعلي، غير آبهة بمواقف الإدانة العربية والدولية، لأنها محصّنة بدعم أمريكي كامل. وأي حديث عن دور أمريكي «نزيه» أو «وسيط عادل» ليس سوى محاولة لتجميل واقع معروف. فلو أرادت الولايات المتحدة وقف العدوان، وفرض الانسحاب من الأراضي المحتلة، وإطلاق الأسرى، وتطبيق القرارات الدولية بجدية… لفعلت. لكنها لا تفعل، لأن مشروعها في المنطقة لا يقوم على العدالة بل على السيطرة.
المخطط المطروح يتجاوز لبنان، ويأتي ضمن رؤية أمريكية أشمل لإعادة تركيب المنطقة:
تعزيز قدرات إسرائيل ونفوذها، إنشاء مناطق عازلة تحت عناوين اقتصادية أو أمنية، وتكريس واقع جديد يجعل الشرق الأوسط تحت سيطرة شبه كاملة. وهذا يتقاطع مع سياسة الضغط على إيران لإعادتها إلى حدود الدور المرسوم لها، ضمن صراع أكبر مع الصين وروسيا، ولو كان الثمن لبنان وفلسطين وسوريا وسائر المصالح العربية.
من هنا، يصبح حصر المشكلة في «سلاح حزب الله» تبسيطًا مضلّلًا. فالسلاح مرتبط بإيران وبالصراع الإقليمي، ومعالجته لا تبدأ من الداخل اللبناني فقط، بل من تفاهمات أو صدامات بين واشنطن وطهران. أما مطالبة لبنان وحده بدفع الثمن، فذلك هو الظلم بعينه.
استمرار العدوان ومحاولة جرّ لبنان إلى ما هو أبعد من مسألة حصرية السلاح بيد الدولة، لا يستهدف حماية لبنان ولا استقراره، بل إخضاعه لإملاءات تدخل ضمن توسيع إطار الاتفاقات الإبراهيمية وترتيبات النفوذ الجديدة. وهذا يجعل وقف العدوان أولوية مطلقة، وعلى المجتمع الدولي تحمّل مسؤولياته، فيما تقع المسؤولية الأولى على الولايات المتحدة.
وفي المقابل، العرب مطالبون بإدراك حجم المخاطر، ورفع مستوى التنسيق، واتخاذ قرارات عملية بحجم التهديد. أما اللبنانيون، فمطلوب منهم بناء وحدة وطنية حقيقية، لأن الدولة ومؤسساتها الشرعية هي الضمانة الوحيدة للجميع.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل الحاجة إلى خطوات جدية من حزب الله تضع مصلحة لبنان، ومصلحة بيئته تحديدًا، فوق كل الاعتبارات الإقليمية. فالخروج من دائرة الاستنزاف لا يتحقق بالشعارات، بل بإعادة الاعتبار للدولة، وحصرية السلاح بيدها، وبناء الثقة الداخلية، وتحصين الساحة الوطنية. والاختلافات لا تُحلّ إلا داخل المؤسسات الشرعية ومن خلال حوار صادق يقوم على الثقة والمصلحة الوطنية العليا.
إن استمرار العدوان الإسرائيلي على لبنان ليس قدرًا، بل نتيجة مباشرة لاختلال موازين القوة وغياب إرادة دولية حقيقية لفرض العدالة. لكن مواجهة هذا الواقع تتطلب وضوحًا في الرؤية وتوحيدًا للموقف. وقف العدوان يجب أن يكون أولوية وطنية وعربية ودولية، لا بندًا تفاوضيًا مؤجّلًا. وبقدر ما يحتاج ذلك إلى ضغط خارجي فعلي، فإنه يحتاج قبل كل شيء إلى وحدة لبنانية صلبة، ودولة قادرة، وقرار سيادي مستقل.
لبنان لا يُنقذ بالارتهان ولا بالمغامرة، بل باستعادة الدولة، وتحكيم العقل، وتقديم مصلحة الوطن على كل حساب فئوي أو إقليمي. وحدها هذه الطريق تفتح باب الخروج من الاستنزاف، وتحمي لبنان من أن يبقى ساحة مفتوحة لحروب الآخرين.












01/25/2026 - 19:41 PM





Comments