ضياء محسن الأسدي
تتمثّل المشكلة التي يواجهها العالم الإسلامي وفكره المعاصر وعقيدته في كيفية تطبيق هذه المنظومة على أرض الواقع الاجتماعي والفكري. فقد جرّ الفكر الإسلامي وتطبيقات العقيدة والفقه المجتمع الإنساني إلى الكثير من التعقيدات والصراعات التي نتجت عن ممارسات لم تكن منسجمة مع الغاية الإلهية التي أرادها الله تعالى: نهضة المجتمعات الإنسانية وتطورها.
لقد شرّع الله تعالى للإنسان دينًا ذا منهج متكامل الفهم، واضح المعرفة، متضمَّنًا في دستور إلهي هو القرآن الكريم، الذي يحتوي على الشرائع والسنن والشعائر التعبدية، إضافة إلى القيم والمبادئ الاجتماعية والمناهج الفكرية الحرة. والمتأمل في نصوص هذا الدستور الإلهي يجد فيه من القيم وسبل الهداية ما يرتقي بالإنسان، إذ ركّز سبحانه وتعالى على القيم الأخلاقية السامية، ومنح الإنسان حرية التعامل مع النص في كل العصور، بينما أبقى الشعائر الدينية والعبادات محصورة بين الإنسان وربه.
ويتضح هذا منذ أول نص تشريعي إلهي للإنسانية مع آدم عليه السلام، حين حذّره الله من شهوة المال والثروة ومحبة الخلود. ثم جاءت رسالة نوح عليه السلام لتؤكد عبادة الله وحده والإحسان والبر بالوالدين. ومع شعيب عليه السلام برزت قيم العدل والقسط في التعاملات الاجتماعية. وتوالت الرسالات والشرائع حتى اكتملت مع موسى عليه السلام، وخُتمت برسالة النبي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم.
يقوم الإسلام على مثلث متكامل:
- توحيد الله تعالى وحده لا شريك له.
- العبادات من صوم وصلاة وزكاة وحج.
- المعاملات بين الناس في المجتمع، باعتبارهم وحدة متكاملة في العطاء والنهوض بالإنسان الذي اختاره الله تعالى خليفة في الأرض.
وقد حثّ الله سبحانه وتعالى على التعامل بين الناس بالقيم والسلوكيات التي حدّدها في دستور الإسلام، بما يشمل الأخلاق والمبادئ والتعايش السلمي، إضافة إلى البحث العلمي ودراسة الكونيات، وكل ما يطوّر قدرات الإنسان وينمّي فكره ويصقل شخصيته للتفاعل الإيجابي مع المجتمع. فكلما ارتفعت ثقافة الإنسان ومعرفته، ارتقت حضارته وارتفعت المجتمعات الإنسانية معه نحو الرقي والرفعة.
لكن مع الأسف، نشهد اليوم تراجعًا في القيم وترديًا في الأوضاع في الوطن العربي والإسلامي، بعدما حُجّمت القيم والأخلاق لمصلحة التركيز المفرط على العبادات والشعائر التعبدية. كما هُمّشت الأفكار التنويرية والبحوث المعاصرة لدراسة النصوص الدستورية للرسالة الإلهية بعقلانية وانفتاح، بعيدًا عن التعصب والتناحر والتحزب.
إن تغليب الشعائر الدينية على القيم والسلوكيات يحوّل الدين الإسلامي إلى دين جامد وصوري يقف عاجزًا أمام تحديات التطور العلمي وتحوّلات المجتمع. فنهضة الشعوب تحتاج إلى مقومات علمية وعملية وسلوك مجتمعي متحرر ومتطور مع الزمن، بعيدًا عن التقييد غير المبرر.
ومع ذلك، تبقى الشعائر الدينية للمسلم هُوِيَّة خاصة، وكلما ازداد التوافق بين الشعائر المعتدلة الخالصة لله تعالى وبين العمل الصالح والتعايش السلمي وبناء المجتمع، ازدادت الحضارة الإنسانية قوة ورسوخًا.












01/25/2026 - 07:33 AM





Comments