المليار الذهبي.. الضجيج الأمريكي في المتوسط والغاية "احتلال القارة الأمريكية"

01/25/2026 - 06:52 AM

San diego

 

 

 

 

 

بقلم: ناجي علي أمهز

حين أكتب، لا أستحضر وحياً هبط من السماء، ولا أقتبس سطورًا من عابر سبيل في عالم الفكر؛ بل أغوص في سراديب العقل، حيث ترقد ذكريات تلك اللحظات العظيمة التي عشتها مع نخبة لبنانية استثنائية. هؤلاء لم يكونوا مجرد مثقفين، بل كانوا "كهنة" في أروقة صناعة القرار العالمي، اطلّعوا على المكنونات المرعبة للأفكار التي تُحرّك الكواكب السياسية. لقد وصل اللبناني، بوقاره وتواضعه الجم، ليكون منارة للشرق، ليس في محيطه العربي فحسب، بل وصلت إشعاعاته إلى أقاصي الأرض، قبل أن يبتلع "الضجيج" صوت العقل.

في أزمنة الفوضى، يعلو الضجيج ليخنق الإبداع. إن الفوضى التي تضرب المشرق ليست صدفة، بل هي بيئة خصبة لتشويه الوعي. وكما أنتج التشويه الديني "مسوخاً" مثل "داعش" دفع الإسلام ثمنها، أنتج الضجيج الإعلامي والسياسي عقولاً مشوهة يدفع الإنسان العربي اليوم ثمنها من دمه ومستقبله. بينما، في الغرف المظلمة، تسير السياسات العالمية بدقة مرعبة، تشبه صناعة الساعات الدقيقة المربوطة بشبكة ضوئية لا تخطئ ثانية واحدة.

عام 2018، بينما كان العالم يرقص فرحاً بانسحاب الجيش الأمريكي من أفغانستان، كتبتُ مقالي الذي عُرف بـ "سيناريو الرعب": (هل سحب الجيش الأمريكي من العالم تمهيد كي تأكل البشر لحوم بعضها؟). آنذاك، اعتبره البعض ضرباً من الخيال؛ تساءلوا كيف ستتقطع أوصال الدول وتتوقف الطائرات وتُعزل المدن؟ ثم جاءت "كورونا" في 2019 لتطبق كل حرفٍ ذكرتُه. واليوم أقول لكم: هذا المقال سيتحقق بالكامل؛ سينهار الدولار ولن يبقى شيء مما تعرفونه اليوم. اجعلوا من كلماتي هذه حجاباً أو خارطة طريق، فهي قادرة على إنقاذكم من العمى السياسي.

مع مطلع عام 2020، ضجّ العالم بنبوءة "زوال إسرائيل في عامها الثمانين" (2022). غرق الجميع في الغيبيات، ونفخ حاخامات الكابالا في بوق النهاية. كنت حينها أقف كالطود العظيم، أنظر إلى الجموع وهي تنجرف نحو السراب، بينما كانت أصوات النخب في عقلي تهمس لي منذ عام 2000 بحقيقة مغايرة: "عام 2022 ليس نهاية إسرائيل، بل هو بداية سيطرتها المطلقة".

إننا نعيش زمن "رؤيا مار يوحنا" والوحش "666". في عام 2022 بدأت الفوضى الكبرى لتمكين السيطرة على المشرق، وصولاً إلى استقرار "السلام الإسرائيلي" عام 2028، ليأتي عام 2034 شاهداً على رحيل أمريكا من عالمنا إلى الأبد. في عام 2021 تساءلت: هل سُحرت هذه الشعوب؟ هل أصابها مسٌّ شيطاني؟ إنهم يتعاملون بسحر "الكابالا" وعلوم "هرمس" ليجعلوا الشعوب عمياناً صماً أمام ما يجري تحت جلودهم. وفي عام 2022، وثقتُ ذلك في مقالي: "السيناريو الكامل وحلم سيطرة اليهود".

يظن السذج أن قرارات "ترامب" نابعة من نرجسيته، لكن الحقيقة أكثر رعباً؛ إنه ينفذ مخطط "حكام العالم" الذي وُضع عام 1905، قبل الحرب العالمية الأولى بـ 12 عاماً. قضى المخطط بإشعال حرب 1914، وبأن تغادر أمريكا قارتها لمئة عام "لإدارة العالم" (1917-2017)، ثم تعود لتنغلق على نفسها في "قارة المليار الذهبي".

هل تعتقدون أن الخروج من أفغانستان، أو انسحاب ترامب من أكثر من عشر اتفاقيات دولية كبرى كان مجرد مزاج؟ من يصدق هذا يغرق في جهله. إن أمريكا تفكك ارتباطها بالعالم طوعاً، لتتحول إلى قلعة محصنة خلف البحار، تاركة العالم يلتهم نفسه. هل تعتقدون أن الرئيس ترامب استيقظ صباحاً ليعلن إخلاء أمريكا من المهاجرين، حتى لو اضطرت الإدارة الأمريكية لاستخدام الطائرات العسكرية لإجلائهم؟ هل تعتقدون أن قرار وقف منح الجنسية الأمريكية للمولودين من غير الأمريكيين هو نص قانوني فقط، أم أنه تحديدٌ للعدد؟

بالمقابل من يظن أن إسرائيل قادرة على إطلاق رصاصة على إيران بعد الحرب الأخيرة فإنه واهم، ولكن؛ من يظن أن أمريكا لن تشن حرباً على إيران فإنه أيضاً مجنون. أمريكا ملزمة بالقضاء على كل أعداء إسرائيل قبل مغادرتها المنطقة، من أجل أن تتسلم إسرائيل المشرق العربي، كما أنها ملزمة بمنح إسرائيل الجولان والقدس وجزءاً من سوريا ولبنان حتى صور.

كل ما أكتبه لكم الآن كتبته قبل سنوات عندما كانت مثل هذه المقالات ضرباً من الجنون أو الانفصال عن الواقع؛ لأن المعرفة شيء ووهم المعرفة أمرٌ مختلف كلياً. نعم، قد تشن أمريكا حرباً على إيران، لا للقضاء على الشيعة، بل لإخراجهم من الصراع مع إسرائيل وتغيير بوصلتهم. نعم، قد يُفرغ لبنان من شيعته، ولكن هذا الفعل هو أيضاً مقدمة لإفراغه من المسيحيين كما فُرغت فلسطين وسوريا والعراق، لتستقر إسرائيل كحاكم مطلق "من الفرات إلى النيل" اقتصادياً وسياسياً.

ستغادر أمريكا المنطقة بحلول عام 2030 بعد السيطرة على "غرينلاند" وأمريكا الجنوبية والبرازيل، لتجعل من القارة الأمريكية جنة "المليار الذهبي"، وتتفرج ببرود على الصين وهي تلتهم آسيا. ستحمي أمريكا حدودها وتراقب الحريق العالمي من بعيد، تماماً كما فعلت الإمبراطورية البريطانية قبل انسحابها إلى جزيرتها.

أبناء وطني اللبناني، نحن في هذا الصراع الكوني أقل من تفصيل صغير. نحن بمساحتنا وعددنا لسنا دولة عظمى، بل نحن أشبه بـ "مسجد" أو "كنيسة" يؤمها المؤمنون. نصيحتي لكم: أحبوا بعضكم بعضاً، لا لنغزو العالم، بل لنقدم نموذجاً إنسانياً يحمي وجودنا في هذه العاصفة.

الحقيقة المُرّة التي أختم بها: لن ينجو أحد. نحن نعيش في عالم يتغير بسرعة الضوء، وما نراه اليوم ليس إلا سكرات الموت لنظام قديم، وميلاداً مرعباً لعالم لن نكون فيه سوى ذكرى عابرة؛ لأننا لم نحتكم إلى حكمة المعرفة والعقل.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment