الغربة وجوه لا تحصى لشعور واحد

01/25/2026 - 06:36 AM

secureaisystems

 

 

 

أحمد عبدالفتاح خيري *

‏الغربة لم تعد حكرًا على من حمل حقيبته وسافر، ولا على من غادر مكانه بحثًا عن فرصة أو رزق. الغربة اليوم شعور يتسلل إلى القلوب في صمت، وقد يصيب الإنسان وهو جالس في أكثر الأماكن التي يفترض أن تكون أمانًا. هي حالة إنسانية تبدأ حين يفقد المرء إحساسه بالانتماء، لا للمكان فقط، بل للناس، وللعلاقات، وأحيانًا لنفسه.

‏كثيرون يغتربون لأنهم مضطرون، لا لأنهم يرغبون في الرحيل. يسافر الرجل بحثًا عن عمل، أو هربًا من ضيق الحال، أو سعيًا لتأمين حياة أكثر استقرارًا لأبنائه. في الظاهر هو اختيار، وفي العمق هو اقتطاع من العمر. الغربة هنا ليست ترفًا، بل ثمنًا يدفع من المشاعر، مقابل أمانٍ يمنح للآخرين.

‏في الغربة يكبر الأولاد بعيدًا عن الأب، ويتحول الأب إلى صورة محفوظة في هاتف، أو صوت عابر في مكالمة سريعة. يكون حاضرًا بالمسؤولية، غائبًا بالوجود، ومع الوقت تتسلل المسافة إلى العلاقة نفسها، فيصبح القرب مؤجلًا، والحنين دائمًا، والعودة حلمًا بلا موعد.

‏لكن الغربة لا تحتاج سفرًا دائمًا. قد تصيب الإنسان وهو وسط ناسه. أن تكون محاطًا بالوجوه، ومع ذلك تشعر أنك غير مرئي. تتكلم ولا تفهم، وتمنح ولا تجد التقدير، وتبذل وكأن ما تفعله لا يرى. هنا لا تكون المسافة جغرافية، بل شعورية.

‏وقد تظهر الغربة في الحب. أن تحب أناسًا لا تجمعك بهم الظروف، أو لا يسمح الواقع بقربهم. تحبهم بصدق، لكن الحب يتحول إلى شوق طويل، وانتظار مرهق، وإحساس دائم بأن شيئًا ناقصًا، وأن القرب مؤجل إلى أجل غير معلوم. ‏وهنا تبدأ الأسئلة الثقيلة. هل كل قرب يعني أمانًا؟ وهل كل علاقة طويلة تعني احتواء؟ كثيرًا ما يكتشف الإنسان أن بعض العلاقات، رغم قربها، تشعره بالغربة أكثر من البعد.

‏في هذه المساحة تظهر الغربة داخل العلاقات القريبة، مع الأصدقاء، ومع الأقارب، ومع المقربين، ومع كل من جمعنا بهم وقت أو عشرة أو دور اجتماعي. هنا يكون الوجع أهدأ في شكله، وأقسى في أثره. يسقط القناع ببطء، ويتحول الأمان إلى خذلان، والاهتمام إلى فتور، والدعم إلى صمت. تشعر أنك مطالب دائمًا بأن تكون كما يريدون، لا كما أنت. ومع الوقت، يصبح وجودك بينهم مجهدًا، وتتحول العشرة إلى عبء، ويصبح الابتعاد الهادئ محاولة للحفاظ على نفسك، لا رغبة في القطيعة. هي غربة تأتي من القرب، لا من البعد.

‏وتمتد الغربة أحيانًا إلى أقرب العلاقات اليومية؛ فتسكن البيوت، حيث تجلس على نفس الطاولة، وتنام تحت السقف نفسه. يعيش الإنسان مع شريك حياته، ومع ذلك يشعر بالوحده. يغيب الحوار، وتبرد المشاعر، ويصبح القرب عادة بلا روح. تكون الأجساد قريبة، لكن القلوب بعيدة، والكلام موجود، لكن الفهم غائب.

‏ومع تكرار هذا الإحساس، يختار بعض الناس الغربة بأنفسهم. لا هروبًا، بل حفاظًا على ما تبقى. يبتعد لأن البقاء صار مرهقًا، ولأن القرب لم يعد يمنحه الطمأنينة؛ فيختار الوحدة، لأنها أقل وجعًا من علاقة تفرغه من ذاته.

‏الغربة الحقيقية ليست في البعد، ولا في الانتقال من مكان إلى مكان، بل في غياب الأمان. في أن تبحث عمّن يحتويك فلا تجد، وأن تفتقد حضنًا صادقًا، أو قلبًا يسمعك دون تفسير، أو إنسانًا يشعر بك قبل أن تشرح. أن تكون حاضرًا بجسدك، وغائبًا بشعورك، كأنك زائد عن الحاجة في المشهد كله.

‏وحين يصل الإنسان إلى هذه الحالة، تتحول الحياة بأكملها إلى غربة، مهما ازدانت بمظاهر الرفاهية، ومهما بدت مكتملة من الخارج؛ فالقلب حين يترك وحيدًا، يشعر بضعفه أكثر مما يشعر بفقده، ويكتشف أن أقسى أنواع الغربة، هي تلك التي تصيب الإنسان وهو في أقرب الأماكن، وبين أكثر الوجوه قربًا.

‏* ‏كاتب وباحث في العلاقات الإنسانية

‏http://www.facebook.com/ahmed.fatah.official

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment