تحقيق اخباري من اعداد الخوري الدكتور نبيل مونس
المشهد السياسي المسيحي في لبنان يشكّل واحدًا من أكثر الساحات تعقيدًا وتشابكًا في الحياة الوطنية، إذ تتقاطع فيه الهواجس الوجودية مع الحسابات الحزبية، ويتداخل التاريخي بالآني، والروحي بالسياسي. فمنذ نهاية الحرب الأهلية حتى اليوم، لم يهدأ التنافس بين الأحزاب المسيحية على تمثيل الشارع المسيحي وقيادة القرار الوطني، ما جعل الساحة المسيحية مسرحًا دائمًا لصراعات النفوذ، وتبدّل التحالفات، وتضارب الرؤى حول دور المسيحيين في الدولة والكيان.
وفي قلب هذا المشهد، يبرز دور البطريركية المارونية كمرجعية وطنية وروحية تتجاوز حدود الطائفة، إذ لطالما شكّلت بكركي نقطة توازن في لحظات الانقسام، ورافعة سياسية في محطات المصالحة، وحارسة للثوابت الوطنية التي تأسس عليها لبنان. ومع احتدام التباينات بين القوى المسيحية، تجد البطريركية نفسها أمام تحدٍّ مزدوج: الحفاظ على وحدة الصف المسيحي من جهة، وصون الدور الوطني للمسيحيين في الدولة من جهة أخرى، في ظل أزمات سياسية واقتصادية غير مسبوقة تهدد بنية النظام اللبناني برمّته.
وهكذا، يصبح الصراع بين الأحزاب المسيحية أكثر من مجرد منافسة انتخابية أو تنافس على الزعامة؛ إنه انعكاس لأزمة هُوِيَّة ودور، تتداخل فيها الحسابات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية، فيما تبقى بكركي اللاعب الأكثر قدرة على جمع المتخاصمين تحت سقف واحد، أو في الأقل منع الانهيار الكامل للبيت السياسي المسيحي.
الوَسَط المسيحي في لبنان يشهد منذ سنوات تصاعدًا في حدّة الانقسام السياسي بين الأحزاب، في ظلّ أزمة وطنية شاملة وانهيار اقتصادي غير مسبوق. هذا الانقسام، الذي يتخذ أشكالًا انتخابية وتحالفية وإعلامية، بات يطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل الدور المسيحي في الدولة، وحول غياب رؤية استراتيجية مشتركة تمتد لعشرين عامًا على الأقل، في وقت تتغيّر فيه موازين القِوَى داخليًا وإقليميًا.
انقسامات متجدّدة… وصراع على التمثيل
تُجمع مصادر سياسية وكنسية على أنّ الصراع بين الأحزاب المسيحية لم يعد مجرّد تنافس انتخابي، بل تحوّل إلى سباق على الزعامة والتمثيل، في ظلّ تراجع الثقة الشعبية بالأحزاب التقليدية. وتشير المعطيات إلى أنّ الخلافات بين القِوَى المسيحية الكبرى التيار الوطني الحر – القوات اللبنانية – الكتائب اللبنانية – المردة – الحزب السوري القومي الاجتماعي (جناح مسيحي) – حزب الوطنيين الأحرار – حزب التضامن – حزب الاتحاد السرياني – حراس الارز – حزب الطاشناق – حزب الرامغافار – حزب الهانشاك – حركة الاستقلال – حزب الحوار الوطني (جناح مسيحي) وشخصيات مستقلة – تتعمّق مع كل استحقاق، سواء كان رئاسيًا أو حكوميًا أو نيابيًا، ما ينعكس شللًا في القرار المسيحي داخل المؤسسات الدستورية.
ويرى مراقبون أنّ هذه الانقسامات تُضعف القدرة على التأثير في المشهد الوطني، وتحوّل المسيحيين من “بيضة قبان” إلى عامل تعطيل في كثير من الأحيان، نتيجة غياب التنسيق وارتفاع منسوب الخطاب التصادمي.
إرث الحرب… وذاكرة لم تُطوَ
تُظهر قراءة تاريخية أنّ جذور الصراع الحالي تعود إلى الحرب الأهلية، حيث خرجت الأحزاب المسيحية من الحرب محمّلة بروايات متناقضة لم تُعالَج يومًا عبر مصالحة حقيقية.
هذا الإرث، حَسَبَ باحثين، ما زال ينعكس على الخطاب السياسي، ويُستخدم في التعب Mobilization، ما يجعل المصالحة هشّة وقابلة للانفجار عند كل محطة. كما ساهمت مرحلة الوصاية السورية في تعميق الانقسام بين من بقي داخل لبنان ومن خرج إلى المنفى أو السجن، لتتحوّل مرحلة ما بعد 2005 إلى ساحة تنافس على “استعادة الحقوق” بدل بناء مشروع سياسي موحّد.
تراجع ديموغرافي… وهجرة تُهدّد الوجود
تُظهر الأرقام أنّ المسيحيين باتوا يشكّلون أقل من 30% من سكان لبنان، في ظلّ موجات هجرة متزايدة منذ عام 2017. وتحذّر تقارير كنسية من أنّ استمرار النزيف البشري سيؤدي خلال سنوات قليلة إلى تراجع إضافي في التمثيل السياسي، وإلى فقدان القدرة على التأثير في القرارات الوطنية. وتشير مصادر تربوية إلى أنّ المدارس والجامعات المسيحية، التي شكّلت تاريخيًا ركيزة للوجود المسيحي، تواجه تحديات مالية تهدّد استمراريتها، ما ينعكس مباشرة على الهوية الثقافية للمجتمع المسيحي.
دور الكنيسة… بين الدعوة إلى الحوار والضغط السياسي
في ظلّ الانقسام السياسي، برزت الكنيسة المارونية كمرجعية وطنية تحاول جمع الأطراف المسيحية حول رؤية مشتركة.
وتؤكد مصادر كنسية أنّ بكركي “لا تسعى إلى لعب دور سياسي مباشر، بل إلى حماية الوجود المسيحي والدفاع عن الدولة ومؤسساتها”.
وقد شهدت السنوات الماضية مبادرات عدّة من البطريركية لجمع الأحزاب المسيحية، إلا أنّ الخلافات الشخصية والسياسية حالت دون تحقيق اختراق فعلي. وتشير مصادر مطلعة إلى أنّ الكنيسة “تعتبر أنّ المرحلة تتطلب جرأة أكبر من القيادات المسيحية، وأنّ استمرار الصراع يهدّد الدور التاريخي للمسيحيين في لبنان”.
التحالفات الإقليمية… وتأثيرها على القرار المسيحي
لا يمكن فصل الصراع المسيحي الداخلي عن التحالفات الإقليمية التي دخلت فيها الأحزاب. فبعض القوى يتموضع ضمن محور المقاومة، فيما ترتبط قوى أخرى بعلاقات مع دول الخليج أو الغرب.
هذا التموضع، وفق محللين، جعل القرار المسيحي متأثرًا بحسابات خارجية، ما زاد الشرخ الداخلي وأضعف القدرة على إنتاج موقف موحّد.
الحاجة إلى رؤية مسيحية لعشرين عامًا قادمة
تؤكد شخصيات فكرية وكنسية أنّ المرحلة تتطلب وضع رؤية استراتيجية تمتد لعشرين عامًا، تشمل:
- خطة ديموغرافية لوقف الهجرة وتشجيع العودة
- رؤية سياسية تقوم على الشراكة لا الصراع
- مشروع اقتصادي يعيد للمسيحيين دورهم الريادي
- حماية الهوية الثقافية والتعليمية
- تعزيز دور الاغتراب في دعم المؤسسات
- إنشاء مجلس تنسيق مسيحي غير حزبي
- توحيد الموقف في الاستحقاقات الوطنية الكبرى
وتشير هذه الشخصيات إلى أنّ “الزعامة تتغيّر، لكن الوجود إذا ضاع لا يعود”، وأنّ “الوقت لم يعد يسمح بصراعات صغيرة في ظلّ انهيار الدولة”.
سيناريوهات المستقبل… بين التراجع والنهوض
يرى خبراء أنّ استمرار الصراع المسيحي سيؤدي إلى:
- مزيد من الهجرة
- تراجع التمثيل السياسي
- فقدان القدرة على التأثير في القرار الوطني
- انهيار مؤسسات تربوية وصحية
- تحوّل المسيحيين إلى أقلية سياسية غير فاعلة
في المقابل، يمكن لقوى المجتمع المسيحي قلب المعادلة إذا توحّدت حول مشروع وطني جامع، يضع مصلحة الوجود فوق مصلحة الزعامة، ويعيد الاعتبار لدور الكنيسة كضامن للحوار.
الفرصة لا تزال ممكنة
يواجه المسيحيون في لبنان لحظة مفصلية، فإمّا أن يستمروا في صراعاتهم الداخلية التي تُضعفهم وتُفقدهم دورهم التاريخي، وإمّا أن يضعوا رؤية مشتركة تمتد لعشرين عامًا، تُعيد تنظيم حضورهم السياسي والاقتصادي والثقافي، وتمنحهم القدرة على المشاركة الفاعلة في إعادة بناء الدولة.
الفرصة لا تزال ممكنة، لكنّ الوقت يضيق، والمسؤولية مشتركة بين الأحزاب والكنيسة والمجتمع المدني والاغتراب. ويبقى السؤال الذي سيحدّد مستقبل العقدين المقبلين: هل يملك المسيحيون الشجاعة للانتقال من الصراع إلى الشراكة، ومن ردّ الفعل إلى صناعة المستقبل؟












01/24/2026 - 21:08 PM
.jpg)




Comments