سياسات بلا اقتصاد وواقع بلا طبقة وسطى

01/24/2026 - 20:57 PM

secureaisystems

 

 

 رشيد ج. مينا

لستُ خبيرًا اقتصاديًا، ولا رئيسَ مركز أبحاث اقتصادية أو تجارية؛ إنما أكتب ما ألمسه، وما أسمعه، وما أجمعه من معطيات. أكتب عن واقعٍ اقتصاديٍّ عربيٍّ مُعاش، وعن سياساتٍ متَّبعة، وعن الهوّة الشاسعة بين ما يُعلَن من خططٍ وتوجّهات وأرقام ميزانيات، وبين الواقع الاقتصادي - الاجتماعي على الأرض. هوّةٌ تثير الدهشة والاستغراب والحيرة معًا، سواء في دولٍ غنيّة بالموارد الطبيعية أو فقيرة؛ إذ إن الاختلاف في المحصّلة يبقى نسبيًا، ولا يعكس الفوارق الكبيرة المفترَضة في مستوى العيش كما يُسوَّق لها.

في معظم الدول العربية، يكاد المشهد يتشابه: تآكلٌ متسارع للطبقة الوسطى التي شكّلت تاريخيًا صمّام أمان المجتمعات، والحلقة التي صنعت التوازن وخفّفت من حدّة الصراع، ومنعت الاصطدام بين الغنى الفاحش والفقر المدقع. ومع غياب هذه الطبقة، يتصدّع الاستقرار الاجتماعي، ويُفتح الباب واسعًا أمام الاحتقان والتطرّف والفوضى.

يُسوَّق باستمرار لمشاريع ضخمة: صناعية، تجارية، وتنموية، غير أنّ معظمها لا يكتمل. إمّا بسبب الفساد، أو سوء التقدير والحساب، أو لأنها مشاريع وُلدت أصلًا كأوهامٍ دعائية، تُباع لعامة الناس لتجميل صورة الأنظمة الحاكمة، وضمان البقاء والاستمرار في السلطة، لا لتحقيق تنمية حقيقية أو إنتاج فعلي.

نرى دولًا يفوق فيها الاستيراد والاستهلاك بأضعاف ما تُصدّره، ولا يشكّل الصادر فيها إلا نسبة هامشية، ومع ذلك تُحدّث شعوبها عن خطط طموحة ومستقبل واعد. ونرى دولًا أخرى تعيش على الاستدانة والقروض، مرتهنة في سياساتها للمؤسسات الدولية، والمساعدات والهبات، وتبيع الأمل ذاته بلغةٍ مختلفة. في المقابل، هناك دول غنيّة بالموارد تخطو خطواتٍ أسرع من قدرتها على الهضم والاستيعاب، ودول فقيرة تواصل الدوران في حلقة الدين… لكن الجميع، بلا استثناء، يرفع شعار “جذب الاستثمارات”، فيما الواقع على الأرض يناقض هذا الخطاب ولا يسانده.

كيف يمكن إنشاء مؤسسات صناعية وتجارية وخدمية، أو تطوير ما هو قائم، في ظل منظومة ضرائب ورسوم وتعقيدات إدارية واشتراطات خانقة تُحمَّل لتلك المؤسسات؟ كيف يُطلب منها النمو والاستمرار، فيما السياسات ذاتها تدفعها نحو الفشل أو الإفلاس؟ أليس هذا، في جوهره، ما يخدم توجهات رأسمالية متوحشة لا تُعنى باستقرار المجتمعات، ولا بتوازن الطبقات، ولا بحياةٍ إنسانية كريمة، بل بتحقيق الأرباح والمصالح فقط، حيث يتحوّل الإنسان إلى مجرّد رقم أو سلعة؟

إن الاقتصاد وحرية العمل لا يعنيان حرية الاحتكار والسيطرة، ولا يبرّران الدوس على حقوق الإنسان وكرامته. التنمية ليست أرقامًا تُعرض في المؤتمرات، ولا مشاريع تُعلن في الإعلام، بل منظومة متكاملة تبدأ من الإنسان وتنتهي به.

الدول العربية بحاجة ماسّة إلى إعادة نظر جدّية في سياساتها الاقتصادية، بما يتلاءم مع واقع كل دولة، وبما يستند إلى دراسات علمية شاملة، لا إلى انتقائية أو مصالح فئوية لمن هم في السلطة. المطلوب مسارٌ متوازن يربط بين التنمية البشرية والتطوير الصناعي والتجاري، ويضع هدفًا مرحليًا واضحًا يتمثل في تحقيق توازن منطقي بين الصادر والوارد، تمهيدًا لهدف أكبر يجعل الكفّة تميل لصالح الإنتاج والتصدير.

عندها فقط يمكن الحديث عن خطط طموحة قابلة للتحقق، وعن تطورٍ حقيقي، وعن مجتمعاتٍ تسير نحو حياة إنسانية كريمة، لا حياةٍ سلعية تُختزل فيها قيمة الإنسان بقدرته على الاستهلاك.

إن إيلاء الأهمية لتطوير الفرد والجماعة هو المدخل الحقيقي للتطوير الوطني، وأي مسارٍ اقتصاديٍّ يتجاوز الإنسان، أو يهمّشه، محكومٌ بالفشل مهما بدا لامعًا في الخطاب.

الاقتصاد الذي لا يحمي الإنسان، ولا يصون كرامته، ولا يبني طبقة وسطى قادرة على الاستقرار، ليس اقتصادًا للتنمية، بل وصفة مفتوحة للأزمات، مهما تجمّلت أرقامه وتكاثرت وعوده.

التنمية ليست شعارًا ولا رقمًا في موازنة، بل خيارٌ سياسي وأخلاقي، يبدأ من الإنسان… أو لا يبدأ أصلًا.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment