لقاء جديد مع عملاق لبنان في هيوستن
السفير د. هشام حمدان
كلّ مرّة ألتقي البروفسور فيليب سالم أزداد فرحا، وأزداد أملا بعودة لبنان إلى ألقه التّاريخي. أسافر السّاعات لأصل إلى مركزه الطّبي في هيوستن. لا أشعر بتعب ولا بضجر الطّريق. فاللّقاء مع هذا الرّجل ليس متعة فحسب، بل ميّزة تزيد تاريخي الدّبلوماسي رونقًا مختلفًا وتغني إرادتي بطاقة متجدّدة. في حضرته يجتمع العلم والمعرفة، والشّعور الوطني الرّاقي والنّبيل. في ذاكرته لوحات من تاريخ يشعّ بإضاءات تغني تاريخ وطن وشعب.
رجل متواضع في تواصله، حادّ الذّكاء والبصيرة، وشديد الإيمان بالإنسان فيه. جلست إلى يمينه على طاولة الطّعام في مركزه. معظم لقاءاته الاجتماعية تدور حول هذه الطّاولة. ساعة من الزّمن يحملك معه إلى شجون وشؤون. هذه المرّة نقلني في ذاكرته إلى المَقْعَد المواجه لمقعدي حيث كان يجلس عملاق آخر من لبنان هو مايكل دبغي.
كلمات قليلة منه جعلتني أغمض عيني وأرى دبغي يجالسنا ويتحدّث عن والدته تطبخ له ورق العنب بالزّيت. دبغي الذي غادر لبنان في العاشرة من عمره كان يتذكر كلّ ذلك على طاولة البروفسور سالم، وهو في عمر التّاسعة والتّسعين. والخلاصة عند سالم، ثلاث كلمات لا أكثر: "كان يعشق لبنان".
ربي، من هو الذي يعرف لبنانه بحقّ ولا يعشقه؟ هذا الوطن المزروع في شتّى أنحاء الدّنيا عبر عباقرة صنعوا التّاريخ، هو جزء من الكرامة الإنسانيّة ليس للّبنانيّين فحسب بل لكلّ من يشعر بإنسانه. لبنان لم يصنع يومًا رصاصة تؤذي حياة خلقها الله على هذه الأرض، لبنان صنع حروفا مضيئة تفتخ باب التّواصل بين البشر والتلاقي في رحاب الله الواسعة.
أوقفني د. سالم أمام درع تذكاري يحمل تأريخًا لنظريّته الطّبيّة في التّحوّل وتطوّر الجراثيم في الجهاز الهضمي، إلى حالات سرطانيّة. أخبرني أنّه كان في زيارة إلى ولاية نيو ساوث ويلز في أوستراليا عندما كانت أبنة خالته ماري بشير، التي توفّيت هذا الأسبوع، حاكمتها (هي أيضا إحدى الرموز الإغترابيّة المميّزة للبنان). دعته ليلقي محاضرة في كليّة الطّبّ، فتحدّث عن نظريّته وشرح تجاربه في البنكرياس والإمعاء.
أخذ طلّاب من الجامعة نظريّته ودرسوها على جراثيم وميكروب في المعدة. تبيّن لهم صحّة رؤيته. نالوا جائزة نوبل للطّب بسبب هذا الكشف العلمي. إحتجّت الولايات المتّحدة ونشرت صفحة العلوم الأميركيّة دراساته بهذا الصّدد. لكن، لم يكن قد سجّل بحوثه رسميّا. كوفئ بدرع يحمل شهادة بأنّه هو من فتح الباب لهذه الإكتشافات العلميّة التّاريخيّة.
نظر إلي بحزن وقال: علينا أن نقبل أحيانا ثمن جهلنا ببعض المعطيات المتّبعة لدى مثل هذه الهيئات الدّوليّة. قلت له: هذا ما اكتشفته خلال عملي في جنيف، حيث تابعت أعمال المنظّمة العالميّة للملكيّة الفكريّة. فسعيت إلى التّعريف بالأمر في وطننا، الأمر الذي دفع الدّكتور عبد الله ضوّ، إلى إنشاء جمعيّة المخترعين، والعمل على تعديل قانون الملكيّة الفكريّة. لبنان حتّى الآن لا يعطي البحوث العمليّة قيمتها، ولا حقوق الملكيّة الفكريّة.
أخذتنا جلستنا إلى مسائل عديدة. هو يتذكّر بفخر، دوره في متابعة ما لا يقل عن مائة طالب طبّ من الجامعة الأميركيّة دراساتهم في علوم السّرطان في جامعة أم دي أندرسن، وبايلر في هيوستن. ويشير باعتزاز إلى موقع الدكتور اللبناني رعد، كرئيس لدائرة طبيّة في هذه الجامعة الأخيرة. كما أنّه سعيد جدّا بتحويله مركز التّراث اللّبناني في الجامعة اللّبنانيّة الأميركيّة إلى أكاديميّة للتّراث، أصبحت تحمل إسمه تكريما لعطائه. كما أنّه سعيد أن يقرّر حاكم تكساس جعل يوم 29 كانون الثّاني يوم فيليب سالم في هذه الولاية. وسيتمّ في هذا التّاريخ إطلاق إسمه على أهمّ قاعة مؤتمرات في جامعة بايلر، وهي ربما إحدى أكبر القاعات المماثلة في الولايات المتّحدة. د. سالم، يرعى أوّل مؤتمر تعقده الجمعيّة التي شاركت في إنشائها، وهي الجمعيّة اللّبنانيّة لبناء السّلم والتّنمية المستدامة، وذلك في تمّوز القادم. يصر د. سالم على الإحتفال بعيد ميلاده الذي يصادف 13 تمّوز، سنويّا، في وطنه لبنان، وبين أهله في بطرّام، ألكورة.
أطال الله بعمرك أيها العملاق الرّمز.












01/24/2026 - 13:34 PM





Comments