مجلس سلام ترامب… بين شعار التسوية ومشروع تفكيك النظام الدولي

01/24/2026 - 12:12 PM

Prestige Jewelry

 

الكاتب الصحفى عزت سلامه *

مجلس السلام الذي يطرحه الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يمكن اعتباره سلامًا حقيقيًا، بل أقرب إلى هدنة هشة سرعان ما تتبدّد عند أول اهتزاز في موازين القوى. فبينما يُعلن المجلس هدفًا جذابًا يقوم على إنهاء النزاعات بين الدول، يخفي في جوهره نزعة واضحة لإعادة تشكيل النظام الدولي وفق منطق القوة والصفقات، بعيدًا عن المؤسسات الأممية التي تنظّم العلاقات بين الدول.

فـ"مجلس السلام" الترامبي، كما يُقدَّم، يرفع شعارًا برّاقًا: حلّ النزاعات عبر الصفقات بدل الحروب. لكن خلف هذا الشعار، يبرز مشروع غير مُعلن يقوم على إقصاء المنظمات الدولية التي شكّلت لعقود مظلة تنظيمية للعالم، حتى وإن كانت فاعليتها موضع نقاش.

ترامب لم يُخفِ يومًا عدم إيمانه بالعمل المؤسسي أو بالتعاون متعدد الأطراف. خطاباته ومواقفه كشفت بوضوح رغبته في إضعاف الأمم المتحدة، والمحكمة الجنائية الدولية، ومنظمة الصحة العالمية، وحتى حلف الناتو. ففلسفته في إدارة العلاقات الدولية لا تقوم على قواعد ملزمة، بل على اتفاقات ثنائية تُدار بمنطق القوة والمصلحة.

الهدف الحقيقي، كما يرى كثيرون، هو التخلّص من القيود التي تفرضها الشرعية الدولية على القرار الأميركي، وفتح الباب أمام عالم تحكمه الصفقات لا القواعد، والنفوذ لا العدالة. في هذا العالم، لا مكان للضعفاء، ولا وزن لمن لا يمتلك أوراق ضغط، لأن لغة القوة هي الحاكمة.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يمكن لسلام لا يستند إلى قانون دولي، ولا يحمي الضعفاء، ولا يُلزم الأقوياء، أن يكون سلامًا؟

التجارب التاريخية تقول بوضوح: هذا ليس سلامًا، بل هدنة مؤقتة تسبق صراعًا أكبر، وتفتح الباب أمام سيطرة شاملة وضياع حقوق الدول الضعيفة. فسلام لا يقيّد الأقوياء ولا يوفّر مظلة حماية للجميع، هو سلام بلا معنى، وسرعان ما ينهار عند أول اختبار.

إن أخطر ما في هذه الرؤية ليس فقط إضعاف المنظمات الدولية، بل تكريس فكرة أن العدالة ليست شرطًا في عالم تحكمه المصالح. وهذا ينسف الأساس الأخلاقي والقانوني الذي قامت عليه العلاقات الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

الخلاصة: إن ما يطرحه ترامب ليس مشروع سلام، بل مشروع نفوذ يقوم على فرض القرار الأميركي، وتقديم مصلحة الولايات المتحدة أولًا، ثم مصلحة إسرائيل، على حساب النظام الدولي ومبادئ العدالة.

 

* الكاتب الصحفى عزت سلامة عضو نقابة الصحفيين المصرية ورئيس تحرير جريدة الشرق الأوسط الإخبارية 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment