رشيد ج. مينا
لبنان نموذج التنوع والتعايش الحضاري بين الأديان، لبنان الرسالة، جسر التواصل بين الشرق والغرب، لبنان درة الشرق، لبنان يا قطعة سما، لبنان سويسرا الشرق…
كلها عناوين وأوصاف جميلة أُغرِقنا في تردادها، غير أن الواقع المعاش منذ عقود طويلة يتناقض جذريًا مع هذه التسميات.
فلبنان، الذي كان يُفترض أن يكون وطنًا، جرى تحويله إلى ساحة.
ساحة استُدرجت إليها كل أشكال الصراعات، وشهدت تصفية حسابات إقليمية ودولية، وحُمِّل أكثر بكثير من طاقته في الدفاع عن القضية الفلسطينية والصراع العربي–الصهيوني، من دون أن تُبنى دولة تحمي شعبه أو تصون استقراره.
لبنان الذي تُغنّى بتنوّعه، لم يعرف شعبه السلام ولا الاستقرار على مدى عقود. زُجّ في أتون حروب وصراعات خدمت أجندات خارجية، واستثمرت في تنوّعه الطائفي والمذهبي، وفي انتمائه العربي الشعبي لقضايا الأمة، ولا سيما القضية الفلسطينية.
إلى جانب ذلك، عانى لبنان من وصايات متوالية، ومن تحكّم طبقة سياسية لا تحكمها مبادئ وطنية بقدر ما تحكمها مصالح ضيقة وارتباطات خارجية، على حساب لبنان الوطن والشعب.
طبقة حكمت مستَقوية تارة بالسلاح وتارة بالضغط الخارجي، عمّقت بسلوكها الطائفية والمذهبية، وكرّست نهج المحاصصة والفساد والنهب، وما سُمّي زورًا «الديمقراطية التوافقية» التي صدّت أي محاولة جدية للتغيير.
في هذا “اللبنان الجميل” نُهبت المقدرات، وسُرقت أموال الناس، وضُربت المؤسسات، وانتهكت القوانين والدستور مرارًا، وأُخضع القضاء للاستنسابية. أُفقِر الناس، وحُوِّلوا إلى متسوّلين على أبواب السفارات والزعامات والمستشفيات والشبيحة، وقوى الهيمنة بالسلاح أو بقوة الخارج التي كانت شريكًا أساسيًا في الوصول إلى هذا الواقع.
لبنان هذا ليس منتجعات ومطاعم ومقاهي ومراقص ومنتديات استعراضية.
حقيقة الواقع أن أكثرية شعبه تعيش الفاقة وعدم القدرة على تأمين الحد الأدنى من العيش الكريم. البطالة منتشرة، والفوارق الطبقية تتّسع بفعل ما أصاب الطبقة الوسطى من انهيار متسارع. التعليم الجيد بات شبه محصور بالميسورين مع ضرب التعليم الرسمي، والسكن أصبح حلمًا تصطدم دونه العائلات بعقبات كبرى، في ظل واقع اقتصادي واجتماعي كارثي.
لا شك أن العدوان الإسرائيلي المستمر وما حمّله لبنان من أعباء تفوق طاقته يُعد عاملًا أساسيًا، لكن الواقع يؤكد أن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق الطبقة السياسية الحاكمة، التي شكّلت حارسًا لبقاء لبنان ساحة لا وطنًا، خوفًا من فقدان السلطة والمصالح والارتباطات الخارجية.
هذا النفق الطويل من المعاناة والتدمير جعل لبنان في حال لا يشبه كل تلك المسميات الجميلة التي تُطلق عليه.
إن المعضلة في لبنان لم تعد في غياب الشعارات ولا في نقص التوصيفات، بل في غياب القرار الوطني الحر. فلبنان لا يحتاج إلى مزيد من التسميات الجميلة، بل إلى انتقال فعلي من حالة الساحة إلى حالة الوطن، ومن منطق الإدارة بالأزمات إلى منطق الدولة.
لقد أثبتت التجربة أن أي حديث عن تنوّع أو رسالة أو عيش مشترك يفقد معناه ما لم يُترجم بدولة واحدة، وسلطة واحدة، وقانون واحد يسري على الجميع بلا استثناء. دولة تحتكر وحدها القرار السياسي والأمني والعسكري، وتحمي أرضها وشعبها، وتوقف العدوان الإسرائيلي المستمر، وتحرّر ما تبقى من أرضها المحتلة، وتنفّذ التزاماتها الدولية من موقع السيادة لا الخضوع.
كما أن بناء لبنان لا يمكن أن يتم خارج عمقه العربي الطبيعي، ولا في ظل القطيعة أو العداء مع سوريا، بل عبر أفضل العلاقات الأخوية القائمة على الاحترام المتبادل، وعدم التدخل، والتكامل الاقتصادي والاجتماعي، بما يخدم مصلحة الشعبين واستقرار المنطقة.
إن استمرار لبنان على حاله ليس قدرًا، بل خيارًا فرضته طبقة سياسية مستفيدة من الفوضى والانقسام والارتهان. والخروج من هذا الواقع يبدأ بوعي وطني جامع، وبإرادة سياسية صلبة، وبحركة تغيير حقيقية تعيد الاعتبار للدولة، وللمؤسسات، وللإنسان.
فلبنان إما أن يكون وطنًا سيدًا حرًا، وإما أن يبقى ساحة مفتوحة للصراعات والوصايات.












01/24/2026 - 08:09 AM





Comments