رشيد ج. مينا
كثيرًا ما نتساءل لماذا، أمام هذا الانهيار الاقتصادي والاجتماعي الشامل، وأمام هذا الكمّ من المعاناة، لا نرى سوى العجز والاستسلام؟ وكأن ما نعيشه قدرٌ محتوم لا يُقاوَم. لا تعليم، لا عمل، لا سكن، لا طبابة، لا ممارسة ديمقراطية حقيقية، لا عدالة، لا مساواة، لا تكافؤ فرص.
في المقابل: نهب منظّم، فساد مستشرٍ، هيمنة وتبعية، زبائنية سياسية، وانقسامات طائفية، ومذهبية وعرقية وثقافية. ومع ذلك، لا صوت شعبيًّا يرتفع، ولا حراكًا اعتراضيًا جديًا مستقلًا، خارج الاستثمار السياسي، والدفع المموّل من قوى الهيمنة والفساد والتحاصص.
هذا الشعب الذي ناصر قضايا العرب، وناضل في مواجهة الاستعمار والاستبداد، من فلسطين – القضية المركزية – إلى قضايا التحرر والحرية في كل أرجاء الوطن العربي، أين هو اليوم؟
أين نضال الوطنيين والعروبيين اللبنانيين؟
أين الأحرار وحركاتهم؟
أين تلك المقاومة الوطنية التي أقلقت إسرائيل وأربكت حساباتها؟
نعم، نتساءل بمرارة: كيف وصلنا إلى هذا الواقع الذي لا يشبه تاريخ هذا الشعب، ولا نضاله، ولا تضحياته، ولا تحركاته عبر العقود؟
لا شك أن حجم التآمر كبير، وقد نجح في إدخال لبنان في نفق مظلم منذ أكثر من خمسة عقود.
لكن الحقيقة التي لا يجوز الهروب منها هي: لولا وجود من شارك وساهم وتواطأ، لما نجح هذا التآمر.
لسنا هنا في معرض محاكمة، بل في موقع المراجعة الضرورية وكيف وصلنا إلى درجة نُذبح فيها – سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا – من دون حتى اعتراض بالصوت؟
هل هذا طبيعي؟ قطعًا لا.
صحيح أن الخذلان المتراكم أفقد الناس الثقة، وصحيح أن جيوش الوصوليين والانتهازيين لعبت دورًا خطيرًا في تفكيك المجتمع، لكن ما لا يمكن تجاهله هو أن ممارسات النظام السوري المخلوع، والنظام الإيراني المترنّح، أجهضت كل ما هو وطني وعروبي، وغذّت كل ما هو مذهبي وطائفي، وهو ما جرى استثماره أميركيًا وإسرائيليًا، كما أثبتت مجريات السنوات الأخيرة حتى اليوم.
نعم، تقع مسؤولية كبرى على عاتق المفكرين والمثقفين الوطنيين والعروبيين في استنهاض الوعي، والخروج من دائرة الصمت إلى رحاب الفعل الإيجابي المنظّم. لكن المسؤولية لا تقع عليهم وحدهم.
هناك أيضًا مسؤولية شعبية في فرز قيادات وطنية عروبية من صلب المجتمع، وفي بناء تشكيلات تنظيمية على أسس وحدوية، حرة، وديمقراطية، قادرة على خوض غمار النضال الحقيقي في مواجهة هذا الواقع المتوحش.
فالخلاص لا يأتي من خارج المجتمع، ولا يُمنح من فوق، ولا تصنعه قوى عاشت على الفساد والنهب المنظّم والتبعية لإرادة الخارج، والخلاص يبدأ حين يقرر الناس استعادة صوتهم، واستعادة دورهم، واستعادة حقهم في وطن، لا في ساحة.












01/23/2026 - 12:03 PM





Comments