د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب *
بدأت الاضطرابات في إيران من داخل النظام المصرفي الذي ظل لسنوات يمثل الصندوق الأسود للنخب المالية وفق تقرير موسع لصحيفة وول ستريت جورنال الأميركية، حين اعلن انهيار بنك أيندة في نهاية 2025، لم يكن الأمر مجرد افلاس لمؤسسة مالية، بل كان إيذانا بنهاية حقبة اقتصاد الظل الذي اعتمده النظام للالتفاف على الضغوط الدولية، هذا البنك الذي أداره مقربون من دوائر القرار، غرق في ديون تجاوزت 5 مليارات دولار نتيجة قروض فاسدة واستثمارات وهمية، ما أجبر الحكومة على طباعة كميات هائلة من السيولة لتغطية الفجوة ما أدى إلى انفجار تضخمي لم يعد المواطن الإيراني قادرا على تحمله.
أمريكا وإسرائيل تودان خلع أنياب الأسد الجريح، إنهاء النووي والنشاط الخارجي ويستغل الاضطرابات الداخلية الواسعة داخل البلاد، أزمة بقاء تواجه النظام الإيراني لأول مرة منذ الثورة الخمينية عام 1979، هذه المرة تضافرت التهديدات ضده، هي قادرة على الإطاحة به، النظام تبنى المشروع النووي حتى مع استحالة السماح له.
تستغل أمريكا وإسرائيل أن إيران تقف على خط النهاية عارية من الردع النووي التي كانت تطمح له، مع انهيار معظم الثورة الخمينية الخارجية، لكن تظل إيران الجريحة خطر على جيرانها وليس على أمريكا ولا على إسرائيل.
ترمب يرفض التعامل مع نظام إيراني قادر على شراء المزيد من الوقت والتوصل إلى توافقات تمنع استهدافه أميركيا وإسرائيليا، لكنه لن يوقف انهيار إيران، بريجنسكي في زمن كارتر المسؤول عن الملف الإيراني تنبأ بسقوطه باعتباره نظام الخميني نظام تعبوي، وافقه هنري كيسنجر باعتباره نظام متناقض في داخله، لكنه صمد فترة أطول مما توقع بريجنسكي، ومن أطال نظام إيران ومكنه من النفوذ الإقليمي أوباما الذي أراد التوصل إلى اتفاق نووي مع إيران عام 2015.
ليس دول الخليج فقط بل حتى الدول الأوروبية متمسكة برفض التغيير بالقوة في إيران لأنهم كما دول الخليج يتخوفون من فراغ اليوم التالي في إيران في حال سقوط النظام وغياب وجه معارض يفرض نفسه، يكتفون بفرض عقوبات إضافية على المسؤولين عن عمليات القمع على وجه السرعة، ويحملون الحرس الثوري مسؤولية القمع، هناك أصواتا تطالب بوضعه على لائحة الإرهاب الأوروبية، لكن المسؤولية الأوروبية ردت ليست هناك أسس قانونية تتيح مثل هذا التدبير مع تذكيرها أن الاتحاد سبق أن جمد أصول الحرس الثوري وحظر منح تأشيرات سفر لعناصره على خلفية انتهاك حقوق الإنسان.
تناول الملف الإيراني المستشار الألماني عند زيارته الهند من أن النظام الإيراني لا يستطيع البقاء في السلطة إلا من خلال العنف، وإنه عمليا في نهايته، وأن النظام فاقد للشرعية، وان وزراء خارجية ألمانيا وبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة على اتصال وثيق لضمان حدوث انتقال سلمي في إيران إلى حكومة ديمقراطية شرعية، وطالب نواب في البرلمان الأوروبي باتخاذ تدابير غير الذهاب إلى حد المطالبة بالتدخل العسكري، وهم ينطلقون من مبدأين الأول رفض اللجوء إلى القوة في العلاقات الدولية، والثاني اعتبارهم أن تغيير الأنظمة السياسية مسألة داخلية ولا يمكن أن يتم بواسطة تدخلات خارجية، وتشير إلى التجارب الفاشلة التي حصلت في أفغانستان والعراق وليبيا التي تبين كلها عبث فرض تغيير الأنظمة بواسطة التدخلات العسكرية، ويدرك الأوروبيون محدودية الدور الذي يلعبوه بعدما استنفدت العقوبات دورها مع تفعيل لآلية الزناد سناب باك في مجلس الأمن، وإيران غير آبهة بما يقومون به، وما يهمها لكسب الوقت لتهدئة الرئيس ترمب والتوصل معه إلى تفاهم يضمن بقاء النظام.
الضربة الأميركية لم تحصل على غطاء سياسي بعد سحب 20 دولة رعاياها من إيران، وإخلاء قاعدة العديد من الأمريكيين، رغم ترمب يريد ضربة عسكرية خاطفة وحاسمة في نفس الوقت، لكن دخول السعودية على خط الأزمة، لأن انعكاس هذه الضربة سيكون على دول الخليج، ليست آثار عسكرية بل اقتصادية سترفع أسعار النفط، وهي لن تسمح باستخدام أجواءها، وترى أن الضربة ليست حلا والرد الإيراني سيكون خطيرا، حتى لو كان الرد الإيراني محدودا سينعكس أثره وأضراره على الخليج وليس على أمريكا، فالسعودية تفكر بشكل استراتيجي وليس برد انفعالي، وترى ان انهيار إيران ليس نصرا بل ينتج عن الضربة فوضى إقليمية واسعة، لا تود السعودية أن تتحمل هذه الفاتورة ولا دول الخليج.
* أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة أم القرى سابقا
Dr_mahboob1@hotmail.com












01/23/2026 - 10:51 AM





Comments