رشيد ج. مينا
لم ينعكس التفكّك والانقسام والسلوك السياسي الطائفي والمذهبي على الواقع اللبناني في الداخل فحسب، بل تمدّد أيضًا إلى الانتشار اللبناني في أصقاع العالم. هذا المرض العضال، الذي لم تُتَّخذ بعد خطوات جدّية لمعالجته، زادته عمقًا طبقةٌ سياسية حاكمة منذ عقود، تتولّى حراسته والإبقاء عليه حفاظًا على مصالحها ونفوذها، وخدمةً لارتباطاتها الخارجية.
هذا الواقع لا يقتصر على لبنان وحده، بل يظهر، وإن بأشكال مختلفة، في الانتشار العربي عمومًا. فالسلوكيات الانقسامية، وتسلّط الوصوليين والانتهازيين على مراكز السلطة والقرار، حالت دون بناء دول المواطنة والمؤسسات، وأسهمت في تفاقم الفقر والجهل والتخلّف عن ركب الحضارة والتطوّر، رغم الإمكانات الهائلة التي يمتلكها العرب، سواء اللبنانيون في غربة العمل والمهجر، أو العرب في مختلف بلدان الانتشار.
إن دور اللبنانيين والعرب في الاغتراب لا يجب أن يقتصر على إرسال ما تيسّر من مساعدات مالية أو عينية إلى الأقرباء والأصدقاء، أو إلى ما يُسمّى جمعيات وتنظيمات وأحزاب. فثمّة مهام وواجبات يفرضها الانتماء الوطني والقومي، في مقدّمها التحوّل إلى أطر وحدوية ولوبيات ضغط منظّمة، تعبّر عن طاقاتهم وقدراتهم، وتتحرّك بجدّية وفعالية في خدمة القضايا الوطنية والعربية٠
تكتسب هذه الأدوار أهمية خاصة في مواجهة الفعالية الصهيونية المؤثّرة في القرار والتوجّه الأميركي، وبدرجةٍ ما الأوروبي، إذ يمتلك اللبنانيون والعرب في المهجر من الإمكانات والطاقات ما يتجاوز بكثير دور المساعدات أو المشاركة الثانوية في الانتخابات الخاصة ببلدانهم الأصلية. هم قادرون على أن يكونوا ذوي وزن حقيقي في بلدان الاغتراب، من خلال التأثير في الرأي العام وصنّاع القرار، بما يخدم قضايا أوطانهم، ويحدّ من النفوذ الصهيوني في مختلف المجالات.
ولا يمكن إغفال دور المثقفين والمفكّرين والإعلاميين في الداخل، الذين تقع على عاتقهم مسؤولية استعادة المبادرة، وإحياء العمل الوطني الوحدوي العربي والمشروع الحضاري، لما لذلك من أثر مباشر في تحفيز المنتشرين في العالم على التحرّك والنشاط المنظّم، وصولًا إلى نتائج إيجابية وتغييرٍ فعلي في الواقع، لمصلحة مستقبلٍ أفضل.

إن ما تعانيه المجتمعات اللبنانية والعربية، في الداخل والانتشار، ليس نقصًا في الإمكانات ولا في الطاقات، بل غياب المشروع الجامع والوعي المنظّم. فالانقسام الذي يبدأ في الداخل، حين يُترك بلا مساءلة، يتحوّل إلى سلوكٍ مُعمَّم، ويُعاد إنتاجه في المهجر، حيث تُهدر القدرات بدل أن تتحوّل إلى قوة ضغط وتأثير.
إن الخروج من هذا الواقع لا يكون بالمساعدات الموسمية ولا بالشعارات، بل ببناء أطر وحدوية واعية، تربط الداخل بالانتشار، والفكر بالفعل، والانتماء بالمسؤولية. وحده هذا المسار قادر على نقل اللبنانيين والعرب من موقع التلقّي والانتظار إلى موقع الفعل والتأثير، واستعادة الدور في معركة الوعي، وبناء الدولة، وصون المشروع الحضاري.












01/23/2026 - 10:04 AM





Comments