أحمد عبد الوهاب
المتابع للمشهد الفلسطيني، يعي جيدًا حجم الأزمات التي يعاني من المواطنين، خاصة في الضفة الغربية، في ظل الحصار الخانق المفروض من جانب جيش الاحتلال الإسرائيلي، على المؤسسات الفلسطينية، التي تعاني من ضعف الموارد، وبالتالي لا تستطيع توفير احتياجات المواطنين الأساسية للحياة اليومية، ولا سيما الإعانات التي يتلقاها أسر الأسرى والشهداء، وهي الأزمة التي كانت تسيطر على المشهد خلال الآونة الأخيرة على الساحة الفلسطينية في الضفة الغربية.
تلك الأزمة، خلفت احتجاجات في مدن الضفة، خاصة في رام الله وطولكرم ونابلس، والتي كشفت عمق التعقيد الذي يحيط بملف إصلاح نظام صرف الإعانات لأسر الأسرى والشهداء، وهو ملف يتجاوز كونه إجراءً ماليًا أو إداريًا، ليمس جوهر العلاقة بين السلطة والمجتمع، وبين الرمزية الوطنية والواقع الاقتصادي المتدهور.
هذه الاحتجاجات، لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق العام الذي تعيشه الضفة الغربية، حيث تتداخل الأزمات الاقتصادية المزمنة مع حالة الانسداد السياسي، وتراجع الثقة بالمؤسسات، وازدياد الضغوط المعيشية على شريحة واسعة من السكان.
تمثل الإعانات المقدمة لأسر الأسرى والشهداء، أحد أكثر الملفات حساسية في الوعي الجمعي الفلسطيني، إذ ترتبط هذه الأسر بتاريخ طويل من التضحيات، وتحمل رمزية وطنية لا يمكن تجاهلها أو التقليل من شأنها، وبالنسبة لآلاف العائلات، تشكل هذه المخصصات مصدر الدخل الأساسي، في ظل نسب بطالة مرتفعة، وتراجع فرص العمل، وغلاء معيشة يثقل كاهل الجميع. لذلك فإن أي تعديل أو إصلاح يطال هذا النظام يُنظر إليه تلقائيًا باعتباره تهديدًا مباشرًا للأمن الاجتماعي لهذه الأسر، ويمس كرامتها واستقرارها، حتى لو جاء تحت عنوان الإصلاح أو إعادة الهيكلة.
ولا يمكن إغفال أن الضفة الغربية تعيش أزمة اقتصادية خانقة منذ سنوات، تفاقمت بفعل سياسات الاحتلال، وتراجع الدعم الخارجي، والقيود المفروضة على الحركة والتجارة، إضافة إلى اختلالات داخلية في إدارة الموارد، هذه الأزمة لم تعد محصورة بفئة دون أخرى، بل طالت معظم شرائح المجتمع، من موظفين وعمال وعاطلين عن العمل، وصولًا إلى أصحاب المشروعات الصغيرة، وبدأت تظهر أصوات، ترى أن استمرار تحويل جزء كبير من الموارد المحدودة إلى فئة بعينها، بصرف النظر عن حجم احتياجها الفعلي، لم يعد خيارًا مستدامًا في ظل التحديات الراهنة.
أنصار هذا التوجه لا ينطلقون بالضرورة من موقف عدائي تجاه أسر الأسرى والشهداء، بل من قراءة اقتصادية ترى أن العدالة الاجتماعية تقتضي إعادة توزيع الموارد على أساس الحاجة الفعلية، لا على أساس الانتماء إلى فئة محددة، ويجادل هؤلاء بأن استثمار هذه الأموال في مشاريع تنموية، أو في دعم قطاعات الصحة والتعليم والبنية التحتية، أو حتى في شبكات أمان اجتماعي أوسع، قد يعود بالنفع على المجتمع ككل، بمن فيهم أسر الأسرى والشهداء أنفسهم. غير أن هذه الرؤية تصطدم بحقيقة أن البعد الوطني والرمزي لهذا الملف يجعل أي نقاش عقلاني حوله محفوفًا بالاتهامات وسوء الفهم.
الإشكالية الأساسية لا تكمن في فكرة الإصلاح بحد ذاتها، بل في طريقة طرحها وتنفيذها، وفي غياب حوار مجتمعي شفاف يشرح الدوافع والأهداف، ويقدم بدائل واضحة تحمي الفئات الأكثر هشاشة، الإصلاح الذي يُفرض من أعلى، دون إشراك المتأثرين به، يتحول سريعًا إلى مصدر توتر وغضب، حتى لو حمل في طياته منطقًا اقتصاديًا أو إداريًا، كما أن غياب الثقة المتراكمة بين الشارع والمؤسسات يجعل أي خطوة من هذا النوع تُفسر على أنها استجابة لضغوط خارجية، لا نابعة من رؤية وطنية داخلية.
الاحتجاجات الأخيرة، تعبير عن أزمة ثقة، وعن صراع بين ضرورات الصمود الاجتماعي ورهانات البقاء الاقتصادي، وإذا لم يُدار هذا الملف بحساسية عالية، تجمع بين احترام الرمزية الوطنية وتحقيق العدالة الاجتماعية، فإن الإصلاح قد يتحول من فرصة لمعالجة الخلل إلى عامل جديد لتفتيت النسيج الاجتماعي في الضفة الغربية، في وقت هي أحوج ما تكون فيه إلى التماسك في مواجهة تحديات أكبر وأخطر.












01/22/2026 - 12:25 PM





Comments